قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 55 إلى 59 ]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 ) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
.
أي : لم يمنع الناس أن يؤمنوا إلا التعنت والعناد ؛ لأنه قد أكثر عليهم من الحجج والآيات ما لم يعاندوا ولا كابروا ؛ لالتزامهم الإيمان بها والتصديق ، لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم .
إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
.
وسنة الأولين : الاستئصال والإهلاك ؛ فيقول : لا يؤمنون إلا في ذلك ، والإيمان لا ينفعهم في ذلك الوقت ؛ كقوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ غافر : 85 ] .
وقوله :
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا
.
أي : عيانا وجهرا .
قال أبو عبيدة « 1 » :
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا
، أي : مقابلة ، وقبلا : استئنافا .
وقال مجاهد « 2 » :
قُبُلًا
: فجأة ، وقال : قبيلا .
قال أبو عوسجة :
قُبُلًا
، أي : مواجهة ، وكذلك قبيلا .
وقال القتبي « 3 » :
قُبُلًا
، أي : مقابلة وعيانا ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
.
أي : لم نرسلهم إلا بما يوجب لهم البشارة والنذارة إنما أرسلوا للأمر والنهي ليأمروا الناس بالطاعة - طاعة الله - وينهوهم عن معاصيه ؛ لهذا أرسلوا ، فالبشارة لمن اتبع أمرهم وانتهى ما نهوا عنه ، والنذارة لمن ارتكب ما نهوا عنه ؛ فيكون البشارة للمتبعين لهم في أمرهم والنذارة للمرتكبين المنهي ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) انظر : مجاز القرآن ( 1 / 407 ) .
( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 23156 ، 23157 ) ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 4 / 415 ) .
( 3 ) انظر : تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ( 269 ) .