تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد ، ولا يقرب ، فلا يوقظهم أحد ، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه ؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال ؛ فجائز أن يكون قوله :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
ذلك الخوف وتلك الهيبة : هيبة الدين ، على ما روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « نصرت بالرعب مسيرة شهرين » « 1 » ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم ؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب ؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين ، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك ؛ فلا نفسر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ
أي : كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم . وقوله :
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ
بعثهم ؛ لما علم ما يكون منهم ، وهو التساؤل ، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ ، إنما يخلق وينشئ ؛ لما يعلم أنه يكون منهم ؛ كقوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً . . .
الآية [ الأعراف : 179 ] ذرأهم ؛ لما علم أنه يكون منهم ، وهو عمل أهل جهنم ، وكذلك قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك ، هكذا كل ما يخلق ، لما يعلم أنه يكون منه ؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب ، فإذا كان الله عالما بما كان ويكون ، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئا لغير ما علم أنه يكون ، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه ، وبالله العصمة . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
. وتأويله ما ذكر :
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
. وقوله :
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
قالوا ذلك ، لما لم يروا في أنفسهم آثارا وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه ، ثم لما تذكروا أحوالهم ، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة ، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم ، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله ، فقالوا :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
. وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك ، ولم يكل الأمر إلى الله حيث
هامش
( 1 ) تقدم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 151 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم