تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أو ذكر فعله ؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل ، والله أعلم . وقوله :
ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه ؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير ؛ فعلى ذلك في قولنا : عالم بذاته ، لا يفهم غير علمه ، أي : عالم . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
. قال بعضهم « 1 » : الوصيد : هو فناء الباب . وقال بعضهم « 2 » : الوصيد : هو عتبة الباب . قال القتبي « 3 » : الوصيد : الفناء ، ويقال : عتبة الباب ، وهذا أعجب إلىّ ؛ لأنهم يقولون : أوصد بابك ، أي : أغلقه . ومنها
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
أي مطبقة ، وأصله : أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته . فإن كان الوصيد هو عتبة الباب ، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار ، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار ، وفيه أيضا [ أنه ] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم ، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه . وقوله - عزّ وجل - :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
. قال بعض أهل التأويل « 4 » : وذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت ، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب « 5 » . لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنهم قالوا :
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم ، لم يكونوا ليقولوا :
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال ، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت ؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك . وقال بعضهم : لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوى إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين : هارب من شر ، أو طالب شر على آخر ؛ على ما ذكرنا : أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 22945 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 391 ) . وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك . ( 2 ) قاله عطاء ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 154 ) . ( 3 ) انظر : تفسير غريب القرآن ( 264 ) ( 4 ) قاله الكلبي ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 155 ) . ( 5 ) ينظر : اللباب ( 12 / 448 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 150 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم