أي : على من يشاء أن يختص من عباده ويختاره ، وهو مشيئة الاختيار ؛ وإن كان غيره يصلح لذلك ، وفيه دلالة اختصاص الله بعضهم على بعض ؛ وإن كان غيره يصلح لذلك .
وقوله - عزّ وجل - :
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
.
على هذا جاءت « 1 » الرسل والأنبياء عليهم السلام جميعا بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله ، وتوجيه العبادة إليه .
وقوله :
أَنْ أَنْذِرُوا
[ هو ] « 2 » صلة ما تقدم من قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
أن أنذروا ، ولا يوصل بما تأخر ، ثم يخرج على الإضمار ؛ أي : أنذروا وقولوا : إنه لا إله إلا أنا فاتقون .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 3 إلى 9 ]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 )
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 )
وقوله - عزّ وجل - :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
.
قد ذكرنا قوله :
بِالْحَقِّ
في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثا ، إنما خلقهم لأمر كائن ، أو للمحنة ، والجزاء ، ونحوه .
وقوله - عزّ وجل - :
تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
.
من [ لا يخلق ، ولا ينفع ] « 3 » ، ولا يضر ، ولا يدفع في الذي يخلق ، وينفع ، ويضرّ ، ويدفع تعالى عن ذلك وتبرأ .
وقوله - عزّ وجل - :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
.
يذكرهم - عزّ وجل - نعمه عليهم ، وقدرته ، وسلطانه ، وعلمه ؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم ؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنسانا - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنسانا على أحسن تقويم ؛ وأحسن صورة .
وفيه نقض قول الدهرية ؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء ؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة ؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء ، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا ، وفيه دلالة البعث ؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة ؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء ؛ لا من شيء .
هامش
( 1 ) في أ : أجاب .
( 2 ) سقط في ب .
( 3 ) في ب : لا ينفع ولا يخلق .