قوله تعالى :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 44 إلى 45 ]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 )
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يخبر أن ما حل بأولئك من عذاب استئصال « 1 » ، إنما حل بظلمهم ، [ لا بظلم ] « 2 » من الله تعالى وقوله - عزّ وجل - :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
. لم يلبسوا إلا ساعة من النهار ، قال : في قبورهم يتعارفون بينهم إذا خرجوا من قبورهم . وقال بعضهم من أهل التأويل :
كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
: في الدنيا « 3 » ، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها ؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده ، أو استقلوا لبثهم [ في الدنيا ] « 4 » ومقامهم ؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب .
وفيه وجه ثان : وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار ، حتى لا يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهم [ من ] « 5 » تلك الأسباب .
وقوله - عزّ وجل - :
يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ
أي : يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن « 6 » بعضهم بعضا ؛ كقوله :
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[ العنكبوت : 25 ] . وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم يفرق بينهم كقوله :
فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ
[ يونس : 28 ] ، أي : فرقنا بينهم .
هامش
( 1 ) في أ : استئصال وعقوبة .
( 2 ) سقط في أ .
( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 355 ) ونسبه للضحاك وأبي حيان في البحر المحيط ( 5 / 162 ) .
( 4 ) سقط في ب .
( 5 ) سقط في ب .
( 6 ) في هذا التعارف وجوه :
الأول : يعرف بعضهم بعضا كما كانوا في الدنيا .
الثاني : يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب ، وتبرّأ بعضهم من بعض .
فإن قيل : كيف توافق هذه الآية قوله :وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً[ المعارج : 10 ] ؟
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا ؛ فيقول كل فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا ، وزينت لي الفعل القبيح الفلاني ، فهو تعارف توبيخ وتباعد وتقاطع ، لا تعارف عطف وشفقة .
وأما قوله :وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماًفهو سؤال رحمة وعطف .
والثاني : أن هاتين الآيتين على حالين ، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة ؛ فلذلك لا يسأل حميم حميما .
ينظر اللباب ( 10 / 343 ) .