ويحتمل قوله :
إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ
كانت له حاجات أخفاها ، طلب قضاءها ؛ فقال : تعلم حاجاتي ؛ أخفيتها ، أو أعلنتها فاقضها لي ، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء ؛ فقال ذلك على التبري من ذلك ؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن ، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في
مِنِّي
والله أعلم ؛ كقول عيسى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
[ المائدة : 116 ] أو أن يكون قال ذلك ؛ لأن أهل الأديان جميعا كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم ؛ ولذلك قال :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . . .
[ آل عمران : 67 ] الآية .
برأه الله مما ادعى كل فريق .
ثم منهم ؛ من كان من هذه الفرق ؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه ؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده ؛ أنه لا يخفى عليه شيء ؛ أخفي أو أعلن ؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه . والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 52 ]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 )
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 )
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
.
قال بعضهم : المخاطب بهذا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم خاصة ؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون ؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ القصص : 88 ] وقوله :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ القصص : 87 ] وأمثاله ، نهاه مع العلم أنه لا يفعل « 1 » ذلك ، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة ، وليس المحنة إلا الأمر والنهي ؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة ؛ والأمر والنهي ؛
هامش
( 1 ) في أ : يغفل .