وعصوا رسلهم ، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل ، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعا وبالله ؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل ، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات ، والكفر بواحد منها « 1 » كفر بالله وبجميع الرسل ، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله ؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به .
وقوله - عزّ وجل - :
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
قيل : أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم ، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم . قيل : الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم ؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون ، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم .
قال أبو عوسجة : الجبار هو المتجبر ، والعنيد هو المعاند المخالف .
وقال القتبي « 2 » : العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك .
وقال أبو عبيدة « 3 » : العنيد والعنود والمعاند هو الجائر « 4 » .
وقوله - عزّ وجل - :
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ
: قال بعضهم : اللعن هو العذاب ، أي : أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب ؛ كقوله :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[ هود : 18 ] أي : عذاب الله .
وقوله - عزّ وجل - :
وَأُتْبِعُوا
أي : ألحقوا ، وقيل : إن اللعن هو الطرد « 5 » ، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إلا أن عادا كفروا ربهم
أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
، أي : ألا بعدا لهم من رحمة الله .
قوله تعالى :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 61 إلى 68 ]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 ) قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 )
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 67 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ( 68 )
هامش
( 1 ) في ب : من هذا .
( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 205 ) .
( 3 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 290 ) .
( 4 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 389 ) ، وكذا الرازي ( 18 / 13 ، 14 ) .
( 5 ) تقدم .