فلم يؤمنوا ، فاستوجبوا القتال إلى أن يفوا بالعهد الذي سبق ، والقسم الذي جهدوا به ، وليس غيرهم هكذا .
أو على قوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ . . .
الآية [ الأنعام : 110 ] ، فبين الإياس عن إيمانهم إلا أن يشاء الله ، فهو يخرج على وجهين :
أحدهما : الإياس عن إيمانهم .
وقبول الجزية ليخالطوا أهل شريعة الله ، فيسمعوا « 1 » منهم الحجج ، ويعاينوا الأفعال المحمودة في العقول ، والأخلاق الكريمة التي جاء بها الرسول فيؤمنوا ، وهؤلاء قد أيأس الله من إيمانهم ، وأخبرهم أنهم ييأسون أبدا ؛ فلذلك لم يعط لهم عهد ، وعلى ذلك ظهر نقضهم العقود مرة بعد مرة ، والله أعلم .
والثاني : أنه استثنى فيهم ألا يؤمنوا بالآيات إلا أن يشاء الله ، فلعل الله شاء أن يكون إيمانهم بالقتال خاصة ، ففرض فيهم ذلك إلى أن يؤمنوا .
ووجه آخر : أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم هو بعث « 2 » فيهم ومنهم ؛ فأوجبت « 3 » لهم الفضيلة به ألا يقبل منهم غير الإيمان ، كما فضلت البقعة التي فيها بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .
ومنها ألا يترك فيها غير المؤمن تفضيلا .
ووجه آخر : أنهم قوم ليس لهم أسّ « 4 » ، ولا أئمة في الدين إليهم يرجعون في التأسيس ، ومعلوم أن لا قوام في العقول لأمر الدين إلا بالأئمة ؛ كالسياسات كلها والأمور فيها القوام من الملك وغيره ؛ بل إنما كانوا جروا « 5 » على عادتهم ، وقاتلوا « 6 » عن القبائل فلا يرجعون - في الحقيقة - إلا إلى « 7 » عادة خارجة عن التدبير ، وغيرهم يرجعون إلى مذاهب أسست مما أسس أمر الديانات ، فقد تعلقوا بضرب من ذلك ، فتركوا إذا خضعوا وأذعنوا لهم بحق التبع ، فيتركون [ رجاء ] « 8 » أن يتأملوا ؛ إذ لكل مذهب نظر ، وليس لأولئك سوى العادة وتقليد الآباء ، ومن ذلك وصفه لا ينظر فيمهل للنظر ، والله أعلم .
وأيضا : إن لسائر المذاهب أصول يكثر أهلها ، وفي الإقامة على القتال إلى الفناء
هامش
( 1 ) في أ : فسمعوا .
( 2 ) في ب : بعث هو .
( 3 ) في أ : فأوجب .
( 4 ) أي الأساس ، ويقال بتثليث الهمزة ، وجمعه : إساس ، آساس . ينظر : المعجم الوسيط ( أس ) .
( 5 ) في أ : أجروا .
( 6 ) في أ : وقاتلوهم .
( 7 ) في أ : على .
( 8 ) سقط في أ .