وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق ، وإلا كانوا مؤمنين بالله ؛ كقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، وقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] كانوا مؤمنين بالله ، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم « 1 » .
أي : فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم ، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه ، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية ، وفارقوا ذلك الكل ؛ إشفاقا على دينهم ؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا « 2 » بكل وعيد وخوف ، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية ، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وطلبا لرضوانه ؛ ليعلم عظيم « 3 » قدر الدين في قلوبهم ، وخطير منزلته عندهم ؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أعظم وأشدّ من محننا ؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [ عليه ] « 4 » ؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا ، مجبول عليه ، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك ، وتحملوا كراهة ذلك ؛ ابتغاء مرضاة ربهم .
وأما محننا : فإنها على سبق من العادة ، فهي أهون وأيسر .
وقوله :
وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ .
أي : بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس .
وقوله - عزّ وجل - :
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ .
قال بعض أهل التأويل « 5 » : من صدقوا بتوحيد الله ، وهاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار .
وكذلك قالوا في قوله :
أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة :
أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [ من بعد ولحقوا ] .
وقوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ .
هامش
( 1 ) في أ : ولرسالتهم .
( 2 ) في أ : إذا وعدوا .
( 3 ) في أ : عظم .
( 4 ) سقط في ب .
( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 336 ) ( 16573 ) عن ابن عباس بنحوه .