تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
صد الناس عن سبيل الله ، واستكبارهم على المؤمنين ، وخروجهم لقتال أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم - إنما عملوا بأنفسهم ، لا بالمؤمنين . وقوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ .
يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر ؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر . ويحتمل أن يكون ذلك في كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر ؛ كقوله :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ . . .
[ الأنعام : 93 ] الآية ، هذا في كل كافر . وقوله :
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ .
ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر ، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ضرب وبكل جهة ؛ كقوله :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
[ الزمر : 16 ] ، ليس على إرادة التحت والفوق ، ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم ؛ فعلى ذلك الأول . وقال بعضهم « 1 » : يضربون وجوههم في [ حال ] « 2 » إقبالهم [ على ] « 3 » المؤمنين ، وإدبارهم وانهزامهم منهم . وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ .
ذكر تقديم اليد ، وإن كان الكفر من عمل القلب ؛ لما باليد يقدم في العرف . وقوله :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
في الآية دلالة الرد على المجبرة ؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعا ، يجعلون حقيقة الأفعال لله ، وذكر
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
، فلو لم يكن لهم صنع ، لم يكن لقوله :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
معنى ، وكذلك قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل ، لكان التعذيب ظلما ؛ دل أن لهم فعلا ، والله أعلم . قوله :
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
فيما شرع من القتال ، والإهلاك ، والتعذيب في الآخرة ؛ لأنه مكن لهم ما يكسبون به النجاة والحياة الدائمة ، فما لحقهم مما ذكر ، إنما كان باكتسابهم واختيارهم . وقوله - عزّ وجل - :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ .
قال بعضهم « 4 » : صنيع هؤلاء ، أي : صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 268 ) ( 16219 ) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 256 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 54 ) .