ألا ترى أنه قال :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
[ الإسراء : 23 ] ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ
أي : لجبنتم .
وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ .
أي : اختلفتم في أمر القتال والحرب .
وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ .
قيل « 1 » : سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم ، فهزمهم ونصرهم عليهم .
ويحتمل قوله :
سَلَّمَ
أي : أجاب للمسلمين ؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم .
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ .
أي : عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم ، والله أعلم .
هامش
- أن يأمر نفسه وغيره .
- أن يأمر مبلغا عن غيره .
فإن كان المخاطب بالأمر هو الآمر ، فإنه لا يدخل تحت الأمر ؛ لعدم الفائدة في ذلك ، كما أنه لا يدخل الآمر تحت الأمر المطلق إلا بدليل يدل على ذلك .
وهذه الجزئية متصلة بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم لأمته ، هل يدخل فيه ؟ فإن لها مأخذين :
أحدهما : إن كان أمره من الله تعالى ، فيكون هو مبلغا لأمر الله .
ثانيهما : بتقدير أن يكون هو الآمر ، فهل يدخل الآمر تحت أمر نفسه ؟ !
أما إن كان المخاطب ناقلا للأمر من غيره ، نظر في خطابه ، فإن كان يتناوله دخل فيهم ، وإلا لم يدخل فيهم .
مثال الأول : أن يقول الإنسان لجماعة : إن فلانا يأمرنا بكذا وكذا .
ومثال الثاني : أن يقول : إن فلانا يأمركم بكذا .
وإن نقل كلام غيره ، ولم يذكر نفسه شيئا نحو قوله سبحانه وتعالى :يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِفإن هذا يتناول الكل ؛ لأن الخطاب من الله تعالى يرد إلى كل مكلف إلا من استثناه الدليل . ولقد اختلف رأي الأصوليين في الآمر إذا أمر بلفظ يصلح له نحو قول السيد لعبده : أكرم من أحسن إليك ، وقد أحسن هو إليه ، فهل يدخل تحت هذا الأمر حتى يجب على العبد إكرامه ، أو لا يدخل ؟
قال البعض : يدخل ، واختار ذلك الجويني .
وقيل : لا يدخل تحت أمره ؛ لأن الآمر يجب أن يكون فوق المأمور ، أما النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يبلغ عن الله - عزّ وجل - فهو وغيره فيه سواء إلا ما خصه الدليل ، وأما ما أمر به من ذات نفسه ، فلا يدخل فيه ، إلا أن يقصره الله عليه ، فحينئذ يدخل فيه ؛ لأن الأصل أن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ، إلا بدليل ؛ ولهذا إذا قال : أنا ضارب من في البيت ، لا تدخل نفسه فيه . ينظر : البرهان ( 1 / 367 ) ، والمحصول ( 1 / 2 / 620 ) ، ونهاية السول ( 2 / 358 ) .
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 259 ) ، ( 16169 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 342 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس .