وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ .
يحتمل قوله :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ . . .
الآية ، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصارا وأعوانا ؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة ، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا ؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيرا فهم قليل مع الملائكة ، فرأوهم قليلا على ما كانوا ، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء ؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا ، فرأوا على ما كانوا ، ولم يروا الملائكة .
وقال بعض أهل التأويل « 1 » : قلل هؤلاء في أعين هؤلاء ، وهؤلاء في أعين هؤلاء ، إذا التقوا ؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال ، والله أعلم .
وقوله :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا .
هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين ، والغلبة والهزيمة على أولئك ، وكذلك ذكر في القصة « 2 » أن قوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 45 ] في بدر فيه وعد ذلك ؛ كقوله :
كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا .
ويحتمل قوله :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ
، أي : ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائنا ، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون .
وقال بعض أهل التأويل :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً :
في علمه ،
مَفْعُولًا :
كائنا ؛ يقول :
فيوجب أمرا لا بد كائن ؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر ، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة ، والله أعلم . وهو قريب مما ذكرنا .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ .
أي : إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها « 3 » ، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة .
وذكر في بعض القصة « 4 » أن أبا جهل [ - لعنه الله - ] « 5 » لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال : والله لا يعبد الله بعد اليوم ، فأكذبه الله وقتله ، فقال :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
لا إلى الخلق ، والله أعلم .
وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية ، حتى عرف كل أحد ذلك ، إلا من عاند وكابر عقله .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 15 / 136 ) وابن عادل في اللباب ( 9 / 532 ) بنحوه .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 4875 ) .
( 3 ) في ب : وتقديره .
( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 266 ) ، ( 16212 ) عن قتادة .
( 5 ) سقط في أ .