قوله - عزّ وجل - :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
هذا - والله أعلم - إخبار منه نبيه - عليه السلام - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا ، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم ، وكان عالما بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك ، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم ، يذكر هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة ، وإن كذّبوه في تبليغها .
ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوها :
يحتمل : يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله .
أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته « 1 » عشيرته ، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه ، فيحزن لذلك .
أو يحزن حزن طبع ؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب .
أو كان يحزن إشفاقا عليهم بما ينزل عليهم « 2 » من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له ؛ كقوله - تعالى - :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ . . .
الآية [ الكهف : 6 ] وكقوله - تعالى - :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
اختلف في تلاوته : قرأ بعضهم بالتخفيف « 3 » ، وبعضهم بالتشديد والتثقيل « 4 » :
فمن قرأ بالتخفيف : قراءة
لا يُكَذِّبُونَكَ
، أي : لا يجدونك كاذبا قط .
ومن قرأ بالتثقيل :
لا يُكَذِّبُونَكَ
، أي : لا ينسبونك إلى الكذب ، ولا يكذبونك في نفسك « 5 » .
هامش
( 1 ) في ب : كذبه .
( 2 ) في ب : لهم .
( 3 ) وهما نافع والكسائي .
( 4 ) وهم باقي السبعة وهي قراءة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع .
ينظر : الدر المصون ( 3 / 48 ) ، البحر المحيط ( 4 / 116 ) ، الوسيط في تفسير القرآن المجيد ( 2 / 265 - 266 ) ، الحجة لأبي زرعة ص ( 247 - 249 ) السبعة ص ( 257 ) ، النشر ( 257 - 258 ) ، التبيان ( 1 / 491 ) ، الزجاج ( 2 / 266 ) ، المشكل ( 1 / 251 ) ، الفراء ( 1 / 331 ) ، الحجة لابن خالويه ص ( 138 ) .
( 5 ) قال الزمخشري في الكشاف ( 2 / 18 ) ( لا يكذبونك ) قرئ بالتشديد والتخفيف ، من كذبه إذا جعله كاذبا في زعمه ، وأكذبه إذا وجده كاذبا ، والمعنى : أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة ، وإنما يكذبون الله بجحود آياته ، فاله عن -