تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
هامش
- قبله ؛ لأن عطف الخبر على الإنشاء ضعيف ، إن لم يكن ممنوعا . ويكون قوله :وَإِنَّهُ لَفِسْقٌقيدا في النهي ، فصار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان الأكل فسقا . ثم طلبنا في كتاب الله تعالى : أنه متى يكون الأكل فسقا ؟ فوجدناه مفسرا في آية أخرىأَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِفصار الفسق في هذه الآية مفسرا بما أهل لغير الله به ، وإذا كان كذلك كان قوله تعالى :وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِمخصوصا بما أهل لغير الله به . وأجاب بعض الشافعية : بحمل النهي على كراهة التنزيه جمعا بين الأدلة . أما السنة : فمنها ما روي عن عدي بن حاتم أنه قال : قلت يا رسول الله إني أرسل كلابي المعلمة ، فيمسكن علي ، وأذكر اسم الله ؟ فقال : « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه ثم كل » رواه البخاري ومسلم . وله روايات أخرى كهذه كلها تدل على وجوب ذكر اسم الله - تعالى - عند الرمي ، والإرسال . ومنها : ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : قال : « وما صدت بقوسك فاذكر اسم الله عليه ثم كل ، وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه ثم كل » . وأجاب الشافعية عن حديثي عدي وأبي ثعلبة : بأن الأمر فيهما محمول على الندب من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية ، فعلمهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر الصيد : فرضه ومندوبه ؛ لئلا يواقعا شبهة من ذلك ، وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان . وأما الذين سألوا عن الذبح في حديث عائشة - رضي الله عنها - السابق ، فإنهم قد سألوا عن أمر وقع ، ليس لهم فيه قدرة على الأخذ بالأكمل ، فعرفهم صلّى اللّه عليه وسلم بأصل الحل فيه ، وقال لهم « سموا وكلوا » . أما الإجماع : فقالوا في تقريره : لا خلاف فيمن كان قبل الشافعي في حرمة متروك التسمية عامدا ، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا : فمن مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه يحرم ، ومن مذهب علي وابن عباس - رضي الله عنهم - أنه : يحل بخلاف متروك التسمية عامدا . ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ - رحمهم الله - : إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد ، ولو قضى القاضي بجواز بيعه : لا ينفذ ؛ لكونه مخالفا للإجماع . قال الألوسي : والحق أن المسألة اجتهادية ، وثبوت الإجماع غير مسلم ، ولو كان ما كان خرقه الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - والاستدلال على مدعاه لا يخلو عن متانة . واستدل لأهل الظاهر بظواهر الأدلة السالفة من الكتاب والسنة ؛ فإن ظاهرهما يدل على حرمة متروك التسمية عمدا كان أو نسيانا ، وقالوا : في وجه الدلالة فيما روي عن رافع بن خديج أنه قال : قلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليست معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا » . قالوا : إنه علق الإذن بمجموع الأمرين : الإنهار ، والتسمية . والمعلق على شيئين لا يكتفى فيه إلا باجتماعهما ، وينتفي بانتفاء أحدهما . وأما وجهة الإمام أحمد - رحمه الله - في الفرق بين الذبح والصيد فهي : أن الذبح وقع في محله ، فجاز أن يتسامح فيه ، بخلاف الصيد . هذا وقد أشاد ابن حزم بمذهب الظاهرية وقال : إن ما سواه باطل لم يقم عليه دليل ، وادعى أنه لا يعرف للشافعي دليلا ، وضعف الروايات التي استدل بها الحنفية وقال : لا يصح الاستدلال بها . وبعد : فهذه هي المذاهب الثلاث بأدلتها ، والناظر إليها يرى أن كلا قد أشاد برأيه ، ودعم دليله ، -