تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
هامش
- الحل : لكانت مأمورا بها . ولا فرق في المأمورات بين العمد والنسيان ، كقطع الحلقوم والمريء في الذبح ، وكالتكبير والقراءة في الصلاة . وإنما يقع الفرق بينهما في المزجورات : كالأكل والشرب في الصوم ؛ لأن موجب النهي : الانتهاء . والناسي يكون منتهيا اعتقادا . فأما موجب الأمر فهو الائتمار ، والتارك ناسيا أو عامدا لا يكون مؤتمرا . وأيضا : فلأن التسمية هنا ؛ لاستصلاح الأكل ، فكانت ندبا لا حتما : كالطبخ والخبز . ثم فيما هو المقصود - وهو الأكل - التسمية فيه ندب ، وليست بحتم . فهذا - وهو طريق إليه - أولى . استدل الجمهور من الحنفية والمالكية ، وغيرهم : بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب : فقوله تعالى :وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ[ الأنعام : 121 ] . والاستدلال بالآية من وجهين : أحدهما : أن هذا نهي ، ومطلق النهي ؛ للتحريم . والثاني : أنه سمى أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا . بقوله عزّ وجل :وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، ولا فسق إلا بارتكاب المحرم . وقالوا : إن ظاهر الآية ، وإن كان يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسيانا ، إلا أن الشارع جعل الناسي ذاكرا لعذر من جهته . وفي ذلك رفع للحرج ؛ لأن الإنسان كثير النسيان . ولو أريد بالآية هذا الظاهر ، لجرت المحاجة ، وظهر الانقياد ، وارتفع الخلاف في الصدر الأول ؛ لأن ظاهر ما يدل عليه اللفظ لا يخفى على أهل اللسان ، وفي ذلك من الحرج ما لا يخفى ، والحرج مدفوع ، كما هو مقرر في الشريعةوَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ الحج : 78 ] . فوجب حمل الآية على حالة العمد ؛ دفعا للتعارض . على أن الناسي ليس بتارك للتسمية ، بل هي في قلبه ؛ لما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلم « تسمية الله في قلب كل مسلم » وحينئذ يكون متروك التسمية سهوا ليس مما لم يذكر اسم الله عليه . ونوقش هذا الاستدلال : بأن النهي في الآية مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب . يدل على ذلك : أولا : قوله تعالى :وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. وهذا على وجه التحقيق والتأكيد ، لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا أو سهوا ، إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد . وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية . ثانيا : قوله تعالى :وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ[ الأنعام : 121 ] . وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة ؛ لما روي أن قوما من المشركين قالوا للمسلمين : « تأكلون ما تقتلونه ، ولا تأكلون ما يقتله الله » ؟ يقصدون بما قتل الله : ما مات حتف أنفه . وثالثا : قوله تعالى :وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ[ الأنعام : 121 ] . معناه والله أعلم : أنكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأوثان ، فقد رضيتم بألوهيتها وذلك يوجب الشرك . قال الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - « فأول الآية وإن كان عاما بحسب الصيغة ، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص » . قالوا : ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :وَإِنَّهُ لَفِسْقٌإذ لا يصح أن يكون معطوفا على النهي -