تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
يحرمون الذبائح ويقولون : ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له . أو ذكر لمكان قول من يقول : إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله « 1 » .
هامش
( 1 ) اهتدى الإنسان بفطرته منذ خلق إلى ضرورة ذبح الحيوان ؛ لاتخاذه طعاما ، إلا أن طائفا ألم ببعض الرؤوس في بعض عصور الوثنية فنشأت طائفة من الغلاة تستنكر إزهاق روح الحيوان لاتخاذه طعاما ، وزعموا أن في ذلك لونا من التعذيب لا يتفق مع سمو الإنسانية . نقل إلينا ذلك كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى :أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ[ المائدة : 1 ] . قال صاحب روح المعاني : في الآية رد على المجوس فإنهم حرموا ذبائح الحيوانات وأكلها ، قالوا : لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح ، خصوصا إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم ، وزعموا أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور . . . ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بالذبح عن الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم ، وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون . ولا يخفى أن ذلك مصادم للبديهة ، ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم . وقال المعتزلة : لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقا ، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقا بجناية ولا ملحقا بعوض ، وهاهنا الله سبحانه وتعالى يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة ، وحينئذ يخرج الذبح من أن يكون ظلما . قالوا : والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول من أنه يحسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة كما في الفصد والحجامة لطلب الصحة وكذلك القول في الذبح . وهو مردود ؛ لأن الوارد أنها تبعث - على قول - ليقتص للمظلوم منها من الظالم ثم يقال لها : [ كوني ترابا ] وأجاب أهل السنة : بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه . والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط البحث فيهما في علم الكلام ، وكذا القول بالنور والظلمة . وقال بعض المحققين : لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات ، وبه تمت نسخة العالم ، لم يقبح عقلا جعل شيء مما دونه غذاء له ، مأذونا بذبحه ، وإيلامه ؛ اعتناء بمصلحته ، حسبما تقتضيه الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار . وقال الإمام السرخسي : إن بعض العراقيين زعم أن الذبح محظور عقلا ؛ لما فيه من إيلام للحيوان . وهذا باطل ؛ فقد كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يتناول من اللحم قبل مبعثه ، ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين ؛ لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام ، فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه ، وما كان يفعل ما هو محظور عقلا كالظلم والكذب والسفه ؛ فإنه لا يجوز أن يظن أنه فعل ذلك قط . مما تقدم يعلم أن كلا ممن حظر الذبح أو أحله جعل مناطه العقل أو السمع . ومعلوم أن العقل والشرع لا يحظران ما يعود على الناس بالنفع ، وفي تذكية الحيوان منافع جمة ؛ حيث ينتفع بأكل لحوم بعضها ، وبجلود البعض الآخر في اللباس ، والفراش ، والزينة . وهذا غاية إكرام الله تعالى لبني آدم ؛ حيث سخر له ما في الأرض جميعا ، لينتفع به في حاجاته الكثير ، وأباح له ألذ النعم وأجلها . ولو تركت بهيمة الأنعام من غير حل ذبحها ، لنتجت وتكاثرت واستنفذت قوت الإنسان فتأكل -