تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم ؛ ولكن اصبر ، ويحتمل الأمر بالإعراض عنهم : النهي عن قتالهم ؛ كأنه نهى عن قتالهم في وقت . ويحتمل أن تكون الآية في قوم خاصة ، قال : أعرض عنهم ؛ فإنهم لا يؤمنون ، ولا تقم عليهم الآيات والحجج ؛ لما علم منهم أنهم لا يؤمنون ، ثم على ما أمر نبيه بالإعراض عنهم أمر المؤمنين - أيضا - بالإعراض عنهم ، وهو قوله :
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
[ القصص : 55 ] . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
. قالت المعتزلة : المشيئة هاهنا مشيئة قهر وجبر ، أي : لو شاء الله لأعجزهم ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان . وأما عندنا : المشيئة : مشيئة اختيار ، والطوع على قيام الابتلاء والامتحان ، وبعد : فإن مشيئة الجبر هي خلقه ، وقد كانوا جميعا غير مشركين بالخلقة ؛ فلا معنى لتأويلهم الذي تأولوا في المشيئة . ثم لا يحتمل أن يكون قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
مشيئة قهر وجبر ؛ لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر ؛ إنما يكون ذلك في حال الاختيار والطوع ؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة ؛ بل يتحول الفعل عنه « 1 » ويسقط ، ويثبت للذي جبر وقهر ؛ وذلك بعيد ؛ فدل أنه ما ذكرنا ، وبالله الرشاد . وفي قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
دلالة أن طريق الإسلام الإفضال والإنعام ، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي عنده ، ويحرم [ بعضا ] « 2 » ذلك ، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك ؛ إفضالا منه ، ولا يجعل البعض « 3 » ؛ عدلا منه . وقوله - عزّ وجل - :
وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
. أي : لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم ، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم ؛ إنما عليك التبليغ ، وهو كقوله :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 52 ] ، [ و ] « 4 » كقوله - تعالى - :
فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ
[ النور : 54 ] ، ونحوه .
هامش
( 1 ) في أ : منه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : لبعض . ( 4 ) سقط في أ .