تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
كأنه قال : إن القليل من الطيب خير من الكثير من الخبيث ، واللّه أعلم . والثاني : أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهب والاعتزال عن الناس ؛ لدفع أذى أنفسهم عنهم ، وكثرة ما كانوا يتحملون « 1 » من الشدائد والمشقة ؛ فرغبوا في ذلك ، وهموا على ذلك ، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس « 2 » ؛ فقال :
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل . وقوله - عزّ وجل - :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
في مخالفة أمره ونهيه
يا أُولِي الْأَلْبابِ
فيه دلالة أن اللّه لا يخاطب أحدا إلا من كمل عقله وتم ، وباللّه العصمة . وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
« 3 » يحتمل : أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن لهم حاجة إليها ؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون ، كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه ؛ ألا ترى أنه قال :
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ . . .
الآية . ويحتمل : أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء ، على غير تقدم سؤال كان منهم ، ولكن نهوا عن السؤال عنها . ثم يحتمل بعد هذا : أن كان منهم على ابتداء سؤال ، كان من أهل النفاق يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد ، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم ، وثبت عندهم الحجج ، وعرفوا أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه .
هامش
( 1 ) في ب : يعملون . ( 2 ) للحديث شاهد عن عثمان بن مظعون ، أخرجه كل من : البيهقي في شعب الإيمان ( 7 / 137 ) ( 9761 ) ، والطبراني في الكبير ( 6 / 62 ) ( 5519 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا ، وعزاه للبيهقي عن سعد بن أبي وقاص ، والبيهقي كما في مجمع الزوائد ( 4 / 255 ) ، وعزاه للطبراني عن عثمان بن مظعون ، وقال : وفيه إبراهيم بن زكريا وهو ضعيف . ( 3 ) قال القاسمي ( 6 / 386 ) : قال الحافظ ابن حجر في : الفتح : والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل . إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان ، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة . قال ابن كثير : ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته . فالأولى الإعراض عنها وتركها .