بالنار ، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار ؛ فإنه لا يحتملها « 1 » أحد ، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء ، وعذاب الآخرة لا انقضاء له ولا فناء ؛ لذلك وصف بالشدة ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 99 إلى 102 ]
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 )
وقوله - عزّ وجل - :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
فيه وجهان :
أحدهما : ردّا على من يقول : إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن الواعظ مستعملا لما يعظ غيره ؛ إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم ، ولا تنجع فيهم ؛ لشؤمهم ولشدة تعنتهم .
والثاني : إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ ، ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم ؛ كقوله - تعالى - :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[ النور : 54 ]
وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
ما تبدون من العداوة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولأصحابه ، وبنصب الحرب والقتال معهم ، وما تكتمون من المكر له ، والقصد لقتله ؛ كقوله - تعالى - :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
الآية [ الأنفال : 30 ] ، كانوا يمكرون ، ويقصدون قصد إهلاكه ، لكن اللّه - عزّ وجل - أطلع رسوله على مكرهم ، وأخبر أنه يعصمه عن الناس ، وقال - :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
[ المائدة : 64 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ . . .
الآية .
يحتمل وجهين :
أحدهما : خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال ؛ لما رأوا أولئك كانوا يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل ، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت ، فقال :
هامش
( 1 ) في الأصول : يحتمله .