تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
واللّه أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن ، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة ؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية ، فهما على خطأ ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار . وأما إذا كان للناس إمام هدى : فقد عقدوا له البيعة ، فخرجت عليه خارجة ظالمة ، فقتالهم واجب ؛ اتباعا لعلي - رضي اللّه عنه - ومن حارب معه من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل البغي والخوارج ، فأما قتال الخوارج : فهو كالإجماع ؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم ، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله . وقوله - عزّ وجل - :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
: أن ترجع بإثمي بقتلك إياي ، وإثمك الذي عملته قبل قتلي « 1 » . قال القتبي :
بِإِثْمِي
: أن تقتلني ،
وَإِثْمِكَ
: ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة . وقال الحسن : ترجع
بِإِثْمِي
بقتلك إياي ،
وَإِثْمِكَ
يعني : الكفر الذي كان عليه ؛ لأنه يقول : كان أحدهما كافرا فقتل صاحبه ؛ فيرجع بالكفر ، واللّه أعلم . وقوله - تعالى - :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
: يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل ؛ كقول القائل : أريد أن أسقط من السطح ، وهو لا يريد سقوطه منه ؛ وكقوله :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
[ الكهف : 77 ] والجدار لا فعل له ، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه ؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل ، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك ، ويؤول أمره إلى ذلك . أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة ، ويعصي ربه ، أراد « 2 » أن يبوء بإثمه ؛ وذلك جائز ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
« 3 » : قال القتبي : أي شايعته ،
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه عنه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 187 ) ، والطبري ( 4 / 533 ) ، رقم ( 11734 ) ، وقاله مجاهد ، أخرجه عنه الطبري ( 4 / 533 ) ، رقم ( 11737 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 2 / 485 ) ، وقاله ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة ، كما في تفسير الرازي ( 11 / 163 ) ، وهو قول أكثر العلماء ، قاله القرطبي في تفسيره ( 6 / 91 ) . ( 2 ) في ب : أو أراد . ( 3 ) قال القرطبي ( 6 / 93 ) : تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد ، حتى أنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة وأمسه به رحما وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 499 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم