تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وقوله - عزّ وجل - :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً
[ قال الحسن وغيره : لم يكونا ابني آدم من صلبه ، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قربانا ] « 1 » ؛ فتقبل قربان أحدهما ، ولم يتقبل قربان الآخر « 2 » ، وإن نسبهما إلى آدم ؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه ، كقوله - تعالى - :
يا بَنِي آدَمَ
افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا ، ليس يريد به ولد آدم لصلبه ، ولكن البشر كله ؛ فعلى ذلك الأول ، واللّه أعلم . وأمّا ابن عباس - رضي اللّه عنه - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل : فإنهم قالوا : « إنهما كانا ابني آدم لصلبه : أحدهما يسمى قابيل ، والآخر هابيل ، وكان [ لكل ] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد ، وكانت إحداهما جميلة ، والأخرى دميمة « 3 » ، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما ، فتنازعا في ذلك ؛ فقال أحدهما لصاحبه : تعال حتى نقرب قربانا ، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها ، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها ، فقربا قربانهما ، فقبل قربان هابيل ، ولم يتقبل قربان قابيل ؛ فحسده ؛ فهم أن يقتله ؛ فذلك قوله - تعالى - :
إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
« 4 » ، ولكن لا ندري كيف [ كانت ] « 5 » وفيما كانت القصة ؟ وكانا ابني آدم لصلبه ، أو لم يكونا ، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة ، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم ؛ ليعلم ذلك ويعمل به ، فهو - واللّه أعلم - ما ذكر - عزّ وجل - فيما تقدم من قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
[ المائدة : 15 ] ، وقال في آية أخرى :
يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
[ المائدة : 19 ] فكأن هذا - أعني : نبأ ابني آدم - كان « 6 » في كتبهم ، فأمر - عزّ وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان ، ويبين لهم ما في كتبهم ؛ لأنه قال :
قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
و
يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
ليعلموا أنه إنما علم ذلك باللّه ، لا بأحد من البشر ؛ لأنه إنما بعث عند دروس « 7 » آثار الرسل ، وانقطاع العلوم ، فبين لهم واحدا بعد واحد ، ففيه دليل إثبات رسالة
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين سقط من ب . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 4 / 530 ) ، رقم ( 11722 ) ، وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 2 / 484 ) . ( 3 ) في ب : ذميمة . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 4 / 529 ) ، رقم ( 11718 ) عن ابن عباس وابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( 5 ) سقط من ب . ( 6 ) في ب : كاف . ( 7 ) درس درسا ودروسا : عفا وذهب أثره . لسان العرب ( درس ) ، المعجم الوسيط ( 1 / 279 ) .