تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
نصارى ؛ فذلك قوله :
إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
: ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ اللّه - عزّ وجل - عليه العهد والميثاق ، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله - تعالى - :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ . . .
الآية ، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ . . .
الآية ، وأخبر - أيضا - أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله - تعالى - :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ
، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - :
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
يحتمل هذا وجهين : يحتمل : أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد باللّه ، والإيمان بالرسل كلهم ، والتمسك بكتاب اللّه - سبحانه وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم ، فتركوا ذلك كله وضيعوا . ويحتمل :
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
، أي : لم يحفظوا ما وعظوا به . وقوله - عزّ وجل - :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
قيل :
فَأَغْرَيْنا
: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء ، قال الحسن : من حكم اللّه - تعالى - أن يلقى بينهم العداوة والبغضاء ، وأن يجعل قلوبهم قاسية ، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة . وقال بعض المعتزلة : قوله - تعالى - :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
، أي : خذلناهم ، وتركناهم . لكن « 1 » هذا كله منهم احتيال ، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه ؛ فيقال لهم : إن شئتم جعلتم خذلانا ، وإن شئتم تركا ، اجعلوا ما شئتم ، ولكن هل كان من اللّه في ذلك صنع ، أو أضاف ذلك [ إلى نفسه ] « 2 » ولا صنع له في ذلك ، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء ، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك ولا صنع ؛ فدل أن له فيه صنعا ، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم ؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين ؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه ، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح ؛ فدل أن له صنعا ، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين ، وخلق القساوة والعداوة في
هامش
( 1 ) في ب : ولكن . ( 2 ) في ب : لنفسه .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 483 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم