تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وقوله - عزّ وجل - :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
. اختلف فيه : قال بعضهم : خلق اللّه كلاما وصوتا ، وألقى ذلك في مسامعه . وقال آخرون : كتب له كتابا فكلمه بذلك « 1 » ؛ فذلك معنى قوله :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
لا أن كلمه بكلامه ، ولا ندري كيف كان ؟ سوى أنا نعلم أنه أحدث صوتا لم يكن ، فأسمع موسى ذلك كيف شاء ، وما شاء ، وممن « 2 » شاء ؛ لأن كلامه الذي هو موصوف به في الأزل لا يوصف بالحروف ، ولا بالهجاء ، ولا بالصوت ، ولا بشيء مما يوصف به كلام الخلق بحال . وما يقال : هذا كلام اللّه - إنما يقال على الموافقة والمجاز ؛ كقوله :
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] ، ولا سبيل له أن يسمع كلام اللّه الذي هو موصوف به بالأزل ؛ ولكنه على الموافقة والمجاز يقال ذلك . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
يخرج هذا - واللّه أعلم - مخرج التخصيص له ؛ إذ ما من رسول إلا وقد كان له خصوصية ، [ والكلام خصوصية ] لموسى - عليه السلام - إذ كلمه من غير أن كان ثمة سفير ورسول ، وكان لسائر الرسل وحيا يوحي إليهم ؛ أي : دليل برسول ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
دل المصدر على تحقيق الكلام ؛ إذ المصادر مما يؤكد حقائق ما له المصادر في موضوع اللغة ، وأيد ذلك الأمر المشهور من تسمية موسى : كليم اللّه ، وما جرى على ألسن الخلق من القول بأن اللّه كلم موسى ؛ فثبت أنه كان له فيما كلمه خصوصية لم يشركه فيها غيره من الرسل ، وعلى حق الوحي وإنزال الكتب له شركاء في ذلك من الرسل ؛ فثبت أن لما وصف به موسى خصوصية باين بها غيره ؛ على ما ذكره من خصوصية كثير من الرسل بأسماء أو نعوت أوجبت لهم الفضيلة بها ، وإن كان حمل ما يحتمل تلك الخصوصية - قد يتوجه إلى ما قد يشترك في ذلك جملة الرسل ؛ فعلى ذلك أمر تكليم موسى صلى اللّه عليه وسلم . وقوله - عزّ وجل - :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
. أخبر أنه بعث الرسل بالبشارة في العاقبة لمن أطاعه ، والإنذار لمن عصاه ؛ فهذا ليعلم أن كل أمر لا عاقبة له فهو عبث ، ليس من الحكمة ، وأن الذي دعا الرسل الخلق إليه إنما دعوا لأمر له عاقبة ؛ إذ في عقل كل أحد أن كل أمر لا عاقبة له ليس بحكمة ؛ فهذا - واللّه
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط ( 3 / 414 ) . ( 2 ) في ب : مم .