الممتحن من العقل ؛ إذ كان العقل قد يعرف بالمحنة والاحتلام لا ؛ فأمرنا بالابتلاء من حيث العقول ، ولم نؤمر من حيث الاحتلام ، بل يقبل قوله في ذلك .
ودل قبول قول من بلغ بالإخبار عن احتلامه ، وبه يجري القلم عليه ، ويلزم الحقوق - أن يقبله ، يجوز في ذلك الوقت - وبخاصة على قول من يرى الابتلاء بعد الإدراك - أنه لو لم يقبل فبم نبتليه ؟ ثم إذا « 1 » جاز قوله لزم كل أمر علق به ، وعلى ما ذكرت من أول ما علق به القول في حق البلوغ دليل اتصال حكم القول بالعقل ، وتمام العقل بالبلوغ ؛ إذ به يجري القلم .
ودل ما ذكرت من امتناع اللسان عن سلطان غير صاحبه عليه - على لزوم كل حق معلق به على الإكراه ؛ إذ لا يلزم بغيره ، وهو لا يجري عليه ، ثم كل أمر يكون لا به يصير اللسان سببا فيه « 2 » كالمعلم عنه ، وهو مما يجري عليه القهر ، ويعلم به ؛ فيبطل ، واللّه أعلم .
وقوله :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً
« 3 »
الإسراف : هو كل ما نهي عنه .
وقيل : الإسراف : هو أكل في غير حق « 4 » ؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد ، وهو كقوله :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا
[ الفرقان : 67 ] ، وكان القتر مذموما ، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم .
وقوله - تعالى - :
إِسْرافاً وَبِداراً
، قيل : البدار : هو المبادرة « 5 » ، وكلاهما لغتان ، كالجدال والمجادلة ، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم ؛ خشية أن يكبر ؛ فيحول بينه وبين ماله ، وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنه .
وفي حرف ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : « ولا تأكلوها إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا » .
هامش
( 1 ) في ب : إذ .
( 2 ) في ب : فيه به .
( 3 ) قال القرطبي ( 5 / 28 ) : ليس يريد أن أكل مالهم من غير إسراف جائز فيكون له دليل خطاب ؛ بل المراد : ولا تأكلوا أموالهم ؛ فإنه إسراف ، فنهى اللّه - سبحانه وتعالى - الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم .
( 4 ) ذكره ابن جرير بمعناه في تفسيره ( 7 / 579 ) ، وابن عادل في اللباب ( 6 / 190 ) ، والسيوطي في الدر ( 2 / 215 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير .
( 5 ) أخرجه ابن جرير 7 / 580 ( 8590 ) .
ينظر : اللباب لابن عادل ( 6 / 190 ) .