تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أحدها : أن من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمجد ، ومن كان أسمع لخطابهم ، وأعظم لقولهم ؛ كقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
[ النمل : 32 ] ، وقال - تعالى - :
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها
[ النمل : 38 ] يخاطبون [ أبدا ] « 1 » أهل الشرف والمجد ، ومن هو أقبل لقولهم ، وأطوع لأمرهم ؛ فعلى ذلك خاطب اللّه - تعالى - المؤمنين وأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ، وإن كان الخطاب بذلك يعمهم . والثاني : يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصّة ؛ لأن الكافر إنما يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا ، فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره ، والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه ، وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ؛ لذلك خرج الخطاب منه للمؤمنين خاصة ، واللّه أعلم . ويحتمل : أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين ؛ لما أمر بطاعة أولي الأمر ؛ ليعلم أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين ، واللّه أعلم . ثم فيه دلالة جواز الطاعة لغير اللّه ؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه ، هو الائتمار للآمر . وأما العبادة فهي « 2 » إخلاص الشيء بكليته للّه - عزّ وجل - حقيقة ؛ إذ الأشياء كلها للّه بكليتها حقيقة ، ليست لأحد سواه ؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير اللّه - تعالى - وقد يجوز أن يطاع غيره ؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر ، وليس العبادة ؛ لذلك افترقا . ثم طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم تكون طاعة للّه ؛ لأنه بأمره يطاع ، وفي طاعتهم له طاعته . ثم قيل : قوله - تعالى - :
أَطِيعُوا اللَّهَ
في فرائضه ، و [ رسول اللّه ] « 3 » صلى اللّه عليه وسلم في سنته « 4 » . وقيل :
أَطِيعُوا اللَّهَ
فيما أمركم ونهاكم في كتابه ،
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
« 5 » صلى اللّه عليه وسلم فيما أمركم ونهاكم في سنته « 6 » .
هامش
( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) في ب : فهو . ( 3 ) في ب : رسوله . ( 4 ) انظر البحر المحيط لأبي حيان ( 3 / 290 ) ؛ وتفسير القرطبي ( 5 / 168 ، 169 ) . ( 5 ) قال القاسمي في محاسن التأويل ( 5 / 255 ) : قال الحافظ ابن حجر في الفتح : النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر ، مع أن المطاع في الحقيقة هو اللّه - تعالى - كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة ، فكان التقدير : وأطيعوا اللّه فيما قضى عليكم في القرآن ، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن ، وما ينصه عليكم من السنة ، والمعنى : أطيعوا اللّه فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته ، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن . ( 6 ) في ب : سننه .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 226 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم