تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
« 1 » يعني : محمدا « 2 » صلى اللّه عليه وسلم
عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
يعني : من كثرة النساء ، لكن ذلك ليس بحسد ، إنما هو طعن طعنوه ، وعيب عابوه ؛ لأن الحسد هو أن [ يرى لآخر ] « 3 » شيئا ليس له ؛ فيتمنى أن يكون ذلك له دونه ، وقد كان لهم نساء ، لكنه إن كان ذلك فهو طعن طعنوه ، وعيب عابوه على كثرة النساء ، ويقولون : لو كان نبيّا لشغلته النبوة عن النساء ، ويقولون : يحرم على الناس أكثر من أربع ، ويتزوج تسعا وعشرا ؛ فأنزل اللّه - عزّ وجل - ردّا عليهم :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ . . .
الآية [ الرعد : 38 ] ، وكان لداود تسع وتسعون امرأة ، وما قيل - أيضا - إن لسليمان - عليه السلام - ثلاثمائة سرية وسبعمائة حرائر . إن ثبت ذلك : فكثرة النساء له لا تمنع ثبوت الرسالة والنبوة ، وإنما تمنع كثرة النساء لأحد شيئين : إما [ لخوف الجور ] « 4 » ، وإما للعجز عن القيام بإيفاء حقهن . فالأنبياء - عليهم السلام - يؤمن ناحيتهم الجور ، وكانوا يقومون بإيفاء حقهن مع ما كان قيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصة لتسع أو لعشر من النساء من آيات النبوة ؛ لأنه كان معروفا بالعبادة للّه ليلا ، وبالصيام له نهارا ، وتحمل الجوع وأنواع المشقة تباعا ، ومعلوم في الخلق أن من كان هذا سبيله لم يقدر على وفاء حق امرأة واحدة ؛ فضلا أن يقوم لإيفاء حق العشر وأكثر ؛ فدل أنه باللّه قدر على ذلك ، وعلى ذلك قيام داود - عليه السلام - لمائة من النساء ، وقيام سليمان - عليه السلام - لألف منهن ، فذلك من آيات النبوة ؛ لما ذكرنا : أنه ليس في وسع أحد سواهم القيام بذلك .
هامش
أخرجه ابن جرير ( 8 / 481 ) ( 9829 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 309 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم . ( 1 ) قال القاسمي في محاسن التأويل ( 5 / 239 ) : قال الرازي : إن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وضم إليها أنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا ، فلما كانت هذه النعم سببا لحسد هؤلاء ، بيّن - تعالى - ما يدفع ذلك فقال :فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً[ النّساء : 54 ] ، والمعنى : أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ، ولا تحسدونهم ، فلم تتعجبون من حال محمد صلى اللّه عليه وسلم ولم تحسدونه ؟ ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 8 / 478 ) ( 9823 ) عن ابن عباس ، و ( 9824 ) عن السدي ، و ( 9825 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 301 ) وزاده في نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس . ( 3 ) في أ : يكون الآخر . ( 4 ) في أ : الخوف من الجور .