تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الماء إن هو توضأ به ؛ فدل أن اللّه - تعالى - لما أباح للمريض التيمم لم يبح باسم المرض ، ولكنه لمعنى في المرض ؛ دليله ما ذكر أنه لم يبح لكل مريض ، وإنما أبيح لمريض دون مريض . وفيه دليل لقول أبي حنيفة « 1 » - رضي اللّه عنه - حيث أباح للمقيم الجنب التيمم إذا خاف على نفسه الهلاك ؛ ألا ترى أن اللّه - عزّ وجل - أباح للسفر التيمم ، ولم يبحه باسم السفر ، ولكنه أباح لمعنى فيه : وهو إذا كان بمكان إعذار والماء ؛ ألا ترى أنه لا يباح له التيمم في الأمصار ، وإن كان اسم السفر موجودا ؛ لعدم معنى السفر ؛ فعلى ذلك إباحة التيمم للمريض إباحة لمعنى في المرض « 2 » ؛ ألا ترى أنه ذكر مجيئه من الغائط ، والغائط هو المكان المطمئن الذي يقضي فيه الحاجة ، ولا كل من جاء من ذلك المكان يلزمه الوضوء والتيمم ؛ دل أنه لمعنى فيه ، فعلى ذلك الأول . وروي أن جريحا غسل فمات ، فبلغ الخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فقال : « قتلوه ، فإنّما « 3 » يكفيهم كفّ من تراب » ، وكذلك غسل محدود فمات ، فقال : « قتلوه ، فإنّما يكفيه « 4 » [ كف ] من تراب » « 5 » ونحو هذا ، فإذا ثبت أن المراد من المرض والسفر والغائط المعنى الذي فيه لا لعين المرض والسفر والغائط ؛ لما ذكرنا ؛ [ دل ] أن كل مريض يباح له التيمم ، وإنما يباح لمريض دون مريض ، وكذلك لم يبح لكل [ سفر وإنما يباح ] « 6 » لسفر دون سفر ، ومكان دون مكان ، وهو المكان الذي يعدم الماء فيه ويفقد . فعلى ذلك المراد من قوله :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
« 7 »
هامش
( 1 ) ينظر حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص ( 62 ) ، وابن عابدين ( 1 / 156 ) ، وحاشية الدسوقي ( 1 / 149 ) ، ومغني المحتاج ( 1 / 92 ) ، كشاف القناع ( 1 / 162 ) . ( 2 ) في : المريض . ( 3 ) في ب : أما . ( 4 ) في ب : يكفيهم . ( 5 ) أخرجه أحمد ( 1 / 330 ) ، والدارمي ( 1 / 192 ) كتاب الصلاة والطهارة : باب المجروح تصيبه الجنابة . وأبو داود في سننه ( 1 / 93 ) كتاب الطهارة : باب في المجروح يتيمم ( 337 ) ، وابن ماجة ( 2 / 458 - 459 ) : كتاب الطهارة : باب في المجروح تصيبه الجنابة ؛ فتخاف على نفسه إن اغتسل ( 5702 ) ، جميعا عن ابن عباس مرفوعا . ( 6 ) في ب : السفر ولكن . ( 7 ) قال القاسمي ( 5 / 173 ) : قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى اللّه بقوله :أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ[ النساء : 43 ] الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ، ثم أسنده من طرق ، وبه يعلم أن حديث عائشة قرينة صرفت إرادة المعنى الحقيقي من اللمس ، وأوجبت المصير إلى معناه المجازي . وأما ما روي عن ابن عمر وابن مسعود ، فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد ،
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 192 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم