تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
النكاح ، وذكر الأجر بعد الاستمتاع ، والمهر إنما يجب في النكاح بالعقد : يؤخذ الزوج أولا بالمهر ثم يستمتع بها ؛ فهو بالمتعة والإجارة أشبه ؛ كقوله - تعالى - :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
[ الطلاق : 6 ] أمر بإيتاء الأجرة إذا أرضعن فعلى ذلك : لما ذكر الاستمتاع بهن ، وأمر بإيتاء الأجر لا المهر ؛ دل أنها نزلت في المتعة . وأمّا عندنا : فإنها نزلت في النكاح ؛ دليله ما تقدم من الذكر ، وهو قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
نكاحا ، وقوله :
مُحْصِنِينَ
: متناكحين ،
غَيْرَ مُسافِحِينَ
غير زانين . وقوله - تعالى - :
أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ
كل ذلك يدل أنه في النكاح ، فكذلك قوله :
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
في النكاح
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
وقد سمى اللّه المهر أجرا ؛ كقوله :
إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
[ الأحزاب : 5 ] ، وقال :
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
[ النساء : 26 ] وأما قولهم : ذكر إيتاء الأجر بعد الاستمتاع والمهر يجب بالنكاح - فهو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن ؛ كقوله - تعالى - :
إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
[ الطلاق : 1 ] [ أي : طلقوهن ] « 1 » - إذا طلقتم - لعدتهن ، ونحو ذلك كثير . وقال أبو بكر الأصم : دل قوله :
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
فآتوهن مهورهن كملا ، وإذا لم يدخلوا بهن فالنصف بالآية الأخرى ؛ فهذا فائدة ذكر الأجور والاستمتاع ، وهو بالنكاح أشبه وأولى من المتعة « 2 » ؛ لما ذكرنا من تحريم الأجناس من المحرمات في أولها وإباحتها
هامش
( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) أصل المتعة في اللغة : الانتفاع ، يقال : تمتعت بكذا ، واستمتعت - بمعنى ، والاسم المتعة . قال الجوهري : ومنه متعة النكاح ، ومتعة الطلاق ، ومتعة الحج ؛ لأنه انتفاع ، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن ، سواء أكانت المدة معلومة مثل أن يقول : زوجتك ابنتي مثلا شهرا ، أو مجهولة مثل أن يقول : زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب ؛ فإذا انقضت المدة - فقد بطل حكم النكاح ؛ وإنما سمى النكاح لأجل بذلك ؛ لانتفاعها بما يعطيها ، وانتفاعه بقضاء شهوته ؛ فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح . وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية ، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ، ثم يتركها من غير أن يرى العرب في ذلك غضاضة ، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر ، ولم نعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهي عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة ؛ فقد روي عن علي - رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية » واستمر الأمر على ذلك ، حتى فتح مكة ؛ حيث ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أباحها ثلاثة أيام ، وفي بعض الروايات : أنه أباحها يوم أوطاس ، ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح ، ومن قال : يوم أوطاس ؛ فذلك لاتصالها بها ، ثم حرمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك إلى يوم القيامة . فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر ، ثم حرمت في خيبر ، ثم أبيحت يوم الفتح ، ثم
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 115 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم