تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
فإن قيل : ما الحكمة في قوله :
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
والأنبياء - عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلهم ؛ كقوله - تعالى - :
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ . . .
الآية [ الأحزاب : 57 ] ، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء يستوجب « 1 » به ذلك ، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به ؛ كقوله :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا . . .
الآية [ الأحزاب : 58 ] ، فكيف ذكر هاهنا - القتل بغير حق ، وهم لا يكتسبون [ ما ] « 2 » يستوجبون به القتل ؟ ! قيل : يحتمل قوله : بغير حق ، أي : بغير حاجة ؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم ؛ على ما قيل : إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيّا ، ثم يهيج لهم سوق « 3 » ؛ فإذا كان كذلك يحتمل قوله :
بِغَيْرِ حَقٍّ ،
أي : بغير حاجة ؛ كقول لوط - عليه السلام - :
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
فقالوا :
ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ
[ هود 78 - 79 ] ، أي : من حاجة ، واللّه أعلم . ويحتمل قوله - عزّ وجل - :
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ
أي : قصدوا قصد قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فكأن قد قتلوه ، أو قتلوا أصحابه - رضي اللّه عنهم - فأضيف إليهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ :
أي : المحرق ، وقد ذكرنا هذا . وقوله :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ :
ذكر الأيدي ؛ لما بالأيدي يقدم ، وإن لم يكن هذا مقدما باليد في الحقيقة ؛ وكذلك
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] لما باليد يكتسب ، واللّه أعلم .
هامش
- وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر ، وقال القرطبي : أي : ونكتب قتلهم الأنبياء ، أي : رضاؤهم بالقتل ، والمراد : قتل أسلافهم الأنبياء ؛ لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم . وحسن رجل عند الشعبي قتل عثمان - رضي اللّه عنه - فقال له الشعبي : شركت في دمه . فجعل الرضا بالقتل قتلا ، رضي اللّه عنه . ( 1 ) في ب : فيستوجب . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) وقيل : إن قتلهم الأنبياء كان بغير حق في اعتقادهم أيضا ؛ فهو أبلغ في التشنيع عليهم . قاله القاسمي في محاسن التأويل ( 4 / 73 ) . وقد جاء الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن بني إسرائيل قتلت ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة ؛ فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم . أخرجه الطبري ( 6777 ) ، والبزار كما في مجمع الزوائد ( 7 / 272 ) وفيه ممن لم أعرفه اثنان ، قاله الهيثمي .