تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
ثم معنى قوله - تعالى - :
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ المزمل : 20 ] ، و
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ البقرة : 245 ] - يحتمل وجهين : أحدهما : لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم ؛ إذ يعلمون أنه ليس بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته ، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ذلك القرض ولا فقر ؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظا في الشاهد - فإنه لا يمنّ المقرض عليه ؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على المقرض ؛ حيث يحفظ ماله في السفاتج « 1 » ؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء ، يكون محفوظا عند اللّه ليوم حاجتهم إليه ؛ فلا منة تكون على الفقير ، واللّه أعلم . والثاني : إنباء عن جوده « 2 » وكرمه ؛ لأن العبد وما في يده له ، فلو أراد أن يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك ، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك . والثالث : أن المولى في الشاهد إذا طلب [ من عبده ] « 3 » القرض ؛ يكون في ذلك شرف للعبد وعظم ؛ فعلى ذلك اللّه - تعالى - إذا طلب من عبده القرض ، على علم منه في أنه غني بذاته ، لا يجب أن يبخل عليه ، وفي ذلك شرفه وعظمه ، واللّه أعلم . وقوله :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ،
قال أهل التفسير : قالت اليهود ، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم ؛ حتى زعموا أن يد اللّه مغلولة ، لكن ليس في الآية بيان القائلين ، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب ؛ لو لم يكن ذلك منه ، لكنهم قالوه ، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرّا ، يكون في إظهاره آية الرسالة ، أو كانت الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك ؛ إذ لا يحتمل أن يصبر لمثله : يقال بحضرة الصحابة - رضوان اللّه عليهم أجمعين - إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف ؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم للّه ، مع عظيم ما سمعوا من القول ، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم وسوء قولهم ؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم اللّه - تعالى - وعلمهم بأنهم لم ينالوا خيرا إلا باللّه - تعالى - اجترءوا عليه بمثل هذا القول ، وبلغ عتوّهم هذا ،
هامش
( 1 ) السفاتج : جمع السفتجة : بضم السن وفتحها وفتح التاء - فارسي معرب ، وهي أن يعطي مالا لآخر ، وللآخر مال في بلد المعطى ، فيوفيه إياه ثمّ ، فيستفيد أمن الطريق ، وهي في الاصطلاح - قال العلامة ابن عابدين : إقراض لسقوط خطر الطريق . وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : هي الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ؛ ليدفع للمقرض نظيره ما أخذه منه ببلده ، وهي المسماة بالبوليصة ، أي : الكمبيالة . ينظر : القاموس المحيط ص ( 177 ) ( سفتج ) ، حاشية ابن عابدين ( 4 / 295 ) ، حاشية الدسوقي ( 3 / 225 ) . ( 2 ) في ب : وجوده . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط من ب .