تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
قال الشيخ - رحمه اللّه - : في الآية خبر بانقلاب من علم اللّه أنه يرتد بموت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كقوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
[ البقرة : 217 ] . والشاكرون : الذين جاهدوهم ، قد أخبر اللّه - تعالى - أنه يحبّهم ويحبّونه . وقال الحسن : إن أبا بكر الصّديق - رضي اللّه عنه - كان - واللّه - إمام الشاكرين « 1 » . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام - كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحياء ؛ حتى قال لهم موسى - عليه السلام -
يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
[ الصف : 5 ] ، وكذلك قال عيسى - عليه السلام - :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً
الآية [ الصف : 6 ] ، فإذا ماتوا ادعوا أنهم على دينهم ، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه ، وإن لم يكونوا على ذلك ، فلم ينقلبوا على أعقابهم ؛ فكيف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات محمد صلى اللّه عليه وسلم أو قتل ؟ ! . والانقلاب على الأعقاب : على الكناية « 2 » والتمثيل ، ليس على التصريح ، وهو الرجوع إلى ما كانوا عليه من قبل من الدين . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً :
أي : من ارتدّ بعد الإسلام فلن يضرّ اللّه شيئا ؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه ، ولكن إنما استعملهم لأنفسهم ؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة ، فإنما يضرون بذلك أنفسهم ، لا اللّه - تعالى . والثاني : أنه إنما يأمرهم ويكلفهم ؛ لحاجة أنفسهم ، لا أنه يأمر لحاجة نفسه ، ومن أمر آخر في الشاهد : إنما يأمر لحاجة نفس الآمر ، فإذا لم يأتمر لحق ضرر نفس ذلك الآمر ، فإذا كان اللّه - سبحانه - يتعالى عن أن يأمر لحاجته ؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور ، فإذا ترك أمره - ضر نفسه ، وباللّه التوفيق .
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ :
قيل : الموحّدين للّه .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 252 ) ( 7938 ) عن علي بن أبي طالب ، وعن العلاء بن بدر ( 7 / 252 ) ( 7939 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 145 ) ، وعزاه لابن جرير عن علي ، وذكره أيضا أبو حيان في تفسيره ( 3 / 75 ) ، وابن عادل في اللباب ( 5 / 574 ) . ( 2 ) الكناية : هو أن يكنى عن الشيء ويعرّض به ، ولا يصرح على حسب ما علموا باللحن والتورية عن الشيء . وقيل : هي إثبات معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجئ إلى معنى هو ردفه في الوجود فيومئ إليه ويجعله دليلا عليه . راجع : المعجم المفصل في علوم البلاغة د . إنعام فوال عكاوى ص ( 628 ) .