تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
اللّه وكلمته ، ونحو ذلك ، فمثله الذي نحن فيه . وجائز - في الجملة - أن يوصف اللّه بأنه لم يزل عالما بكون كل ما يكون كيف يكون ؟ وفي وقت كونه كائنا ؛ وبعد كونه قد مضى كونه ؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في اللّه - سبحانه وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة . قال الشيخ - رحمه اللّه - في قوله - عزّ وجل - :
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ :
قيل فيه بوجهين : أحدهما : « ولم يعلم » ، وهو يخرج على وجهين : أحدهما : على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا ؛ كقول الناس : ما شاء اللّه كان ، [ وما لم يشأ لم يكن ] « 1 » ، أي : شاء ألا يكون ، لا يكون . والثاني : أنه عالم بكل شيء ، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه ، وإنما لم يعلمه ؛ لأنه لم يكن ؛ وعلى ذلك قوله - عزّ وجل - :
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
[ المدثر : 48 ] أي : ليس لهم . والثاني : قوله - عزّ وجل - :
وَلَمَّا يَعْلَمِ
بمعنى : إلا ؛ كقوله :
لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
[ الطارق : 4 ] - بالتشديد « 2 » - بمعنى : إلا عليها حافظ ؛ فيكون معنى الآية :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
؟ ! لا تدخلوها إلا أن يعلم اللّه مجاهدتكم ، أي : حتى تجاهدوا فيعلم اللّه ذلك منكم موجودا ، واللّه أعلم . وكذلك قوله - عزّ وجل - :
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
أي : ليعلم ما قد علم أنه يصير صابرا ؛ وكذلك قوله :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 3 ] أي : ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين ، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين ، وكذلك قوله - عزّ وجل - :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ
[ محمد : 31 ] أي : حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين ، وأصله : قوله - عزّ وجل - :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ الحشر : 22 ] ليعلم شاهدا ما قد علم غائبا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
أي : يستشهدون في سبيل اللّه بأيدي عدوهم .
هامش
( 1 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : وما لا يشاء لا يكون . ( 2 ) قرأ بالتخفيف ( لما ) أبو عمرو ونافع والكسائي وابن كثير ، وقرأ باقي السبعة ( لمّا ) بالتشديد ينظر : الإتحاف ( 2 / 602 ) ، الحجة لابن خالويه ( ص : 368 ) ، السبعة ص ( 678 ) ، النشر ( 2 / 291 ) .