تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
في ذلك ضيق ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون في الآية إضمار ؛ فيقول : لا تأكلوا الربا ؛ لأنكم إن أكلتموه بعد العلم بالتحريم - تضاعفت عليكم المآثم والعقوبات ، وقد جعل اللّه للربا أعلاما دلت على ما غلظ شأنها ؛ نحو ما وصف من لا يتقيه لا ينفيه بالخروج بحرب اللّه وحرب رسوله « 1 » صلى اللّه عليه وسلم وبالتخبط يوم القيامة ، وانتفاخ البطن وما جرى في معاقبة اليهود ، وبتحريم أشياء لمكان ذلك ، وقوم شعيب ما حل بهم بلزومهم بتعاطى الربا ، واللّه أعلم ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
ولا تأخذوا الربا ولا تستحلوه
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 2 » . وقوله :
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ .
فيه دلالة أنها إنما أعدت للكافرين ، لم تعدّ لغيرهم ، فذلك يرد على المعتزلة ؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار ، واللّه - تعالى - يقول : إنها أعدت للكافرين ، وهم يقولون : ولغير الكافرين . قال الشيخ - رحمه اللّه - في قوله :
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ :
يحتمل : للذين اتقوا الشرك ؛ كقوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ .
ويحتمل : للذين اتقوا جميع أنواع المعاصي : فإن كان التأويل هو الأول - فكل من لم يستحق بفعله اسم الكفر - فهو في الآية ؛ إذ قال في النار :
أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ،
لم يجز أن تكون هي أبدا لغيرهم ؛ لوجهين : أحدهما : إذ لا يجوز أن تكون الجنة المتخذة للمؤمنين تكون لغيرهم ؛ فكذلك النار المعدة للكافرين ، وهذا أولى بجواز القول في إيجاب الجنة لمن لا يكون منه الإيمان ؛ نحو الذرية ، وفساد القول فيهم بالنار ، واللّه أعلم . والثاني : أنها إذا جعلت لغيرهم أو أعدت لغيرهم - كان لا يكون للكفر فضل هيبة
هامش
( 1 ) كما ورد في قوله - تعالى - :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . . .[ البقرة : 278 ، 279 ] . ( 2 ) ومما يعلم به حكمة نظم هذه الآية في سلك قصة أحد : ما رواه أبو داود ( 2537 ) عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش كان له ربا في الجاهلية ، فكره أن يسلم حتى يأخذه ، فجاء يوم أحد فقال : أين بنو عمي ؟ قالوا : بأحد ، قال : أين فلان ؟ قال : بأحد ، قال : فأين فلان ؟ قالوا : بأحد . فلبس لأمته وركب فرسه ، ثم توجه قبلهم . فلما رآه المسلمون قالوا : إليك عنا يا عمرو ، قال : إني قد آمنت . فقاتل حتى جرح ، فحمل إلى أهله جريحا ، فجاءه سعد بن معاذ ، فقال لأخته : سليه : حمية لقومك - أو غضبا لهم - أم غضبا لله ؟ فقال : بل غضبا لله ولرسوله . فمات فدخل الجنة ، وما صلى لله صلاة . ينظر : محاسن التأويل للقاسمي ( 4 / 227 ) .