تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وقال بعض الناس : إذا كان بينه وبين الحج بحر ، لم يلزمه الحج ؛ فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية :
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؛
فجعل البحر وأشباهه مزيلا للاستطاعة « 1 » ؛ فخالف ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الاستطاعة ؟ فقال : « الزّاد والرّاحلة » « 2 » ؛ فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد والراحلة ؛ لأن النبي - عليه السلام - هو المبين عن اللّه ؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية ، ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذورا في التأخير ، ولا يأثم - إن شاء اللّه تعالى - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل ، ولا يأثم في ذلك . ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم « 3 » ؛ لأن المرأة - وإن وجدت الزاد والراحلة - فإنها تحتاج إلى من يركبها وينزلها ، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها ، وهكذا العرف فيهن ، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة ، واللّه أعلم . وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أعتق - لزمه حجة الإسلام « 4 » ؛ لأنه لا يملك الزاد والراحلة ، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام وكذلك روي عنه
هامش
( 1 ) مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يجب الحج في البحر إن غلبت فيه السلامة وإلا فلا وهذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه ، ومما جاء في هذه المسألة من الأحاديث حديث بن عمرو بن العاص أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يركبن أحد بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا وإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا » رواه أبو داود والبيهقي وآخرون ، قال البيهقي وغيره : قال البخاري : هذا الحديث ليس بصحيح ، ورواه البيهقي من طرق عن ابن عمرو موقوفا واللّه أعلم . انظر : المجموع للنووي ص ( 7 / 66 - 67 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه قريبا . ( 3 ) اتفق الفقهاء على أن المرأة يلزمها الحج إن استطاعت واستطاعتها كاستطاعة الرجل ، واختلفوا في اشتراط المحرم لها فشرطه أبو حنيفة لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل . وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه : لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها ويحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات . انظر تفصيل مذاهب الفقهاء وأدلتهم في : الهداية للمرغيناني ( 1 / 135 ) ، بدائع الصنائع للكاساني ( 2 / 123 ) ، والذخيرة للقرافي ( 3 / 179 ) ، الأم للشافعي ( 5 / 38 ) ، شرح صحيح مسلم للنووي ( 5 / 117 ) ، الشرح الكبير للرافعي ( 3 / 291 ) ، الفروع لابن مفلح ( 3 / 234 ) ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ( 3 / 397 ) . ( 4 ) العبد المملوك لا يجب عليه الحج ؛ إذ إنه مستغرق في خدمة سيده ؛ ولأن الاستطاعة شرط ولا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة والعبد لا يتملك شيئا ، فلو حج المملوك ولو بإذن سيده صح حجه وكان تطوعا لا يسقط به الفرض ويأثم إذا لم يأذن له سيده بذلك وعليه أن يحج إذا أعتق ؛ لخبر البيهقي في السنن الكبرى ( 5 / 179 ) : « أيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى » .