تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الإسلام حرام ؛ كما كانت قبله ، وأنها لم تحلّ له إلا ساعة من نهار ، فإذا كان الملتجئ آمنا قبل الإسلام ؛ فالواجب أن يكون آمنا بعد الإسلام ، حتى يخرج منها . وحجة أخرى : وهو أن اللّه - تعالى - أباح لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل المشركين جميعا ، بل فرض ذلك عليه ، إلا أهل مكة ؛ فإنه لم يحلّ له قتلهم إلا ساعة من نهار « 1 » ، ففضّل مكة على غيرها بما خصّها به من التحريم ؛ فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام ؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها ، ولم يحلّ قتالهم إلا ساعة من نهار . وفي الفرق [ بين ] من قتل فيها وفي غيرها ، ثم لجأ إليه - وجه آخر : قال اللّه - تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ
[ البقرة : 191 ] : أباح لهم القتل عند المسجد الحرام ، إذا قاتلونا ؛ فعلى ذلك يقام الحدّ إذا أصاب وهو فيه ، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه : لم يقم ؛ كما لم يقاتلوا إذا لم يقاتلوا ، وهذا فرق حسن واضح [ بحمد اللّه وعونه ] « 2 » . قال الشيخ - رحمه اللّه - في قوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
- : يحتمل أن يكون خبرا من الحرم في قديم الدهر : أنه كان على ما بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرم ، إذا التجئوا إليه ؛ وذلك كقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] ؛ فيكون ذلك من عظيم آيات اللّه - تعالى - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور ، وغيروا من الدين - منعهم اللّه - تعالى - عن هذا التغيير ؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن اللّه له هذا السلطان ، وبه قام هذا التدبير العظيم ، له العلم بحقائق الأشياء ، ووضع كل شيء موضعه ؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله :
ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
[ المائدة : 97 ] - إن اللّه قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع ، فأمّا الشرع : فما جاءت به الرسل ، وأمّا الطبع : فما تنافر الناس ، حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من النبات ، لا بأسباب تكتسب ؛ ولهذا كره بيع رباع مكة « 3 » ،
هامش
( 1 ) تقدم قريبا وهو الحديث السابق . ( 2 ) في ب : واللّه أعلم . ( 3 ) الرباع - بكسر الراء - المنازل ودار الإقامة فيرى الحنفية وهو المشهور من مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز بيع رباع الحرم وبقاع المناسك ولا كراؤها لحديث : « مكة حرام وحرام بيع رباعها ، وحرام أجر بيوتها » أخرجه الدارقطني ( 3 / 57 ) وصوب وقفه . وذهب الشافعية وهو رواية عن مالك وأحمد أنه يجوز بيع وإجارة دور الحرم ؛ لأنها على ملك أربابها يجوز لهم التصرف فيها ببيع ورهن وإجارة ، واستدلوا للجواز بعموم النصوص الواردة في جواز البيع من غير فصل وانظر تفصيل ذلك باستفاضة في : إعلام الساجد بأحكام المساجد -