قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 18 إلى 20 ]
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 )
وقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
قيل فيه بوجوه « 1 » :
قيل : شهد اللّه شهادة ذاتية ، أي : هو بذاته ،
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ؛
إذ في ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية ، وليس ذلك في ذات غيره ، وباللّه العصمة .
وقيل : شهد اللّه بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو ، أي : خلق من الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته ، لو نظروا في خلقتهم وتدبروا فيها ؛ وكذلك الملائكة ، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو ، على تأويل الأول . وعلى تأويل الثاني :
أن خلقه الملائكة - وأولي العلم - يشهد على وحدانيته ؛ فشهدوا على ذلك ، إلا الجهّال ؛ فإنهم لم يتأمّلوا في أنفسهم ، ولا تفكروا في أنفسهم ؛ فلم يشهدوا به ؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء بأن يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فقوله وأمره به - شهادة منه ، ويحتمل شهادة القول ؛ كقوله :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
[ الأحزاب : 56 ] ، وذلك من اللّه : الربوبية ، ومن الخلق : العبودية له ؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية ؛ ففيه دلالة خلق الإيمان ؛ فمن قال : إنه غير مخلوق - لم يعرف ذا من ذاك « 2 » ، وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) تنظر تلك الوجوه في : تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي ( 7 / 177 - 178 ) .
( 2 ) تعد مسألة خلق الإيمان من المسائل التي ثار الجدل حولها بين علماء الحنفية فانقسموا إلى فريقين :
الأول : ويمثله أهل سمرقند ، والثاني : أهل بخارى ، فالفريق الأول : يرون أن الإيمان مخلوق وقالوا ذلك نتيجة قول الماتريدية بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وكل من التصديق والإقرار مخلوقة للّه - تعالى - باتفاق بين الأشاعرة والماتريدية ، وإلى هذا مال الإمام أبو حنيفة ، وصرح بنسبة ذلك إليه الكمال بن الهمام في « المسايرة » ، وإلى هذا أيضا ذهب المصنف فقال في كتابه « التوحيد » : « ثم الإيمان حسن وخير وهدى وزين لصاحبه وكل ما ذلك وصفه فهو مخلوق » وقد رجح هذا الرأي العلامة البيجوري في « شرح الجوهرة » .
والفريق الثاني : الذين يرون أن الإيمان غير مخلوق ؛ وذلك لأن الإيمان حاصل من اللّه - تعالى - للعبد بكلامه الذي ليس بمخلوق فقال ذلك فرارا من القول بخلق كلام اللّه تعالى ؛ لأنهم لما رأوا من أن القول بخلق الإيمان يلزم عليه القول بخلق كلام اللّه تعالى ، وإلى هذا ذهب أهل الحديث وعلى رأسهم الإمام أحمد والأشعري .
انظر تفصيل مذاهب هؤلاء في : شرح الفقه الأكبر لملا على القاري ص ( 215 ) ، والمسايرة لابن -