تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
صلّى اللّه عليه وسلّم تحت شجرة استظلّ بها بالحديبية ، وكان الذين بايعوه نحو ألف رجل وخمسمائة رجل ، بايعوه على النّصرة والنّصح والسمع والطاعة ، وأن لا يفرّوا من العدوّ . ومعنى الآية : إنّ الذين يبايعونك يا محمّد بالحديبية على أن لا يفرّوا ، إنما يبايعون في ذات اللّه ، ليس أنت المراد بذلك ، بل المراد به القيام بعبادة اللّه . وقيل : المراد بذلك أنّهم باعوا اللّه أنفسهم بالجنّة . وقوله تعالى :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ؛
أي نعمة اللّه في الهداية فوق أيديهم في الطاعة ، يعني إحسان اللّه إليهم بأن هداهم للإيمان أبلغ وأتمّ من إحسانهم إليك بالنّصرة والبيعة ، وقال ابن كيسان « 1 » : ( معناه : قوّة اللّه ونصرته فوق أيديهم ونصرتهم ؛ أي اتّق باللّه ونصرته لك لا بنصرتهم ، وإن بايعوك ) ، وقال : ( معناه : يد اللّه في الثّواب والوفاء لهم فوق أيديهم في الوفاء ، فإنّهم لو وفّوا بما ضمنوا فاللّه أوفى بما ضمن ، وأقدر على ذلك ) . واليد ههنا هي القدرة . قوله :
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ؛
أي من نقض عقد البيعة فضرر نقضه عائد عليه ، وليس له الجنّة ولا كرامة ،
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ؛
من البيعة فتمّ على ذلك واستقام ،
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
( 10 ) ؛ فسيعطيه اللّه في الآخرة ثوابا عظيما في الجنة . وروي أنّ هؤلاء المبايعين لم ينقض أحد منهم البيعة ؛ لأنّهم كانوا مخلصين ، ولذلك قال اللّه ( لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة ) رضاه عنهم دليل على أنّهم كانوا مؤمنين على الحقيقة ، أولياء اللّه أهل النّصرة ، والذي لم يدخل معهم في البيعة يومئذ إلا رجل من المنافقين يقال له جدّ بن قيس ، اختبأ يومئذ تحت إبط بعيره ولم يدخل في بيعتهم ، أماته اللّه على نفاقه « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن كيسان : عبد الرحمن بن كيسان ، أبو بكر الأصم ، المعتزلي ، صاحب المقالات في الأصول ، كان من أفصح الناس وأورعهم وأفقههم . قال ابن حجر : ( هو من طبقة أبي الهذيل العلاف ، وأقدم منه ) له تفسير القرآن ، أفاد منه الثعلبي في كتابة الكشف . ترجم له ابن حجر في لسان الميزان : ج 3 ص 425 : الرقم ( 1685 ) . ( 2 ) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية : ج 3 ص 130 . وأخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 24398 ) .
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 52 | الطبراني