تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
قوله تعالى :
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا ؛
معناه : أم تأمرهم عقولهم بهذا ، وذلك أنّ قريشا كانوا يعدّون في الجاهليّة أهل الأحلام ويوصفون بالعقل ، فأزرى اللّه بحلومهم حيث لم يثمر لهم معرفة الحقّ من الباطل . وقيل لعمرو بن العاص : ( ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم اللّه بالعقول ؟ فقال : تلك عقول لم يصحبها التّوفيق ) « 1 » . وقوله تعالى :
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
( 32 ) ؛ أي بل هم قوم طاغون حملهم الطّغيان على تكذيبك يا محمّد ، وكانوا يزعمون أنّ محمّدا كان لا يوازيهم في عقولهم وأحلامهم ، فقيل لهم على وجه التعجّب : أتأمرهم أحلامهم بهذا الذي يفعلونه أم طغيانهم وإفراطهم في الكفر . قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ؛
معناه : يقولون إنّ محمّدا اختلق القرآن من تلقاء نفسه ، والتّقوّل : تكلّف القول ، لا يستعمل إلّا في الكذب ، بل ليس كما يقولون ،
بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
( 33 ) ؛ استكبارا . ثم ألزمهم الحجّة فقال تعالى :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ؛
أي مثل القرآن في نظمه وحسن بنائه ،
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
( 34 ) ؛ أن محمّدا تقوّله في نفسه ، فإنّ اللسان لسانهم وهم مستوون في السّربة « 2 » . قوله تعالى :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
( 35 ) ؛ معناه : أخلقوا من غير ربّ ، وتكوّنوا من ذات أنفسهم ؟ أم هم الخالقون فلا يسألون عن أعمالهم ؟ قال ابن عبّاس : ( معناه : أخلقوا من غير أمّ وأب فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم للّه عليهم حجّة ، أليسوا خلقوا من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ) . وقال ابن كيسان : ( معناه : أخلقوا عبثا فيتركون سدى ، لا يؤمرون ولا ينهون ، أم هم الخالقون لأنفسهم ؟ فلا يجب للّه عليهم أمر ) « 3 » .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 17 ص 73 . ( 2 ) السّرب - بالكسر - : النّفس ، يقال : فلان آمن في سربه ؛ أي في نفسه . مختار الصحاح : ص 293 . ( 3 ) نقل البغوي هذه الأقوال في معالم التنزيل : ص 1240 . والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 17 ص 74 .