فيحمله ، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدّنيا لعدله ) « 1 » .
وروي أن داود عليه السّلام ما شرب قطّ بعد المغفرة شرابا إلّا ونصفه ممزوج بدموعه ، وكان يقول : سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها ، وإذا ذكرت رحمتك ارتدّت إليّ روحي ، إلهي أتيت أطبّاء عبادك فكلّهم عليك دلّوني .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ خدت الدّموع في وجه داود خديد الماء في الأرض ] « 2 » ، وعن ابن عمر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ كان النّاس يعودونه وأنّه يظنّون أنّ به مرض وما به من مرض إلّا الخوف والحياء من اللّه عزّ وجلّ ، وما رفع داود عليه السّلام رأسه بعد الخطيئة إلى السّماء حتّى مات ] « 3 » .
وكان داود عليه السّلام إذا ذكر عقاب اللّه تخلّعت أوصاله ، وإذا ذكر رحمته تراجعت .
وعن الحسن رضي اللّه عنه أنه قال : ( كان داود عليه السّلام بعد الخطيئة لا يجلس إلّا مع الخاطئين ، ثم يقول : تعالوا إلى داود عليه السّلام الخطّاء ، وكان يؤتى بخبز الشّعير في الإناء ، فلا يزال يبكي حتى يمتلئ بدموع عينيه ، وكان يذرأ عليه الرّماد ويأكله ويقول : هذا أكل الخاطئين ) « 4 » .
وقال الكلبيّ رضي اللّه عنه : ( سجد داود أربعين يوما حتى سقطت جلدة وجهه ونبت العشب من دموعه فعلى غطاء رأسه ، وكان لا يقوم من سجوده إلا لصلاة أو قضاء حاجة ، وكان يقول في دعائه ومناجاته : قد عرفت يا رب رحمتك واسعة ، ولولا رحمتك لفضحتني ، فمن الذي ينصرني إن خذلتني ؟ ومن الذي يغفر لي خطيئتي إن لم تمحها عنّي ؟ ومن الذي يتداركني برحمته إن لم تجاوز عنّي ؟
هامش
( 1 ) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان : ج 8 ص 193 - 194 . وذكره أيضا البغوي في معالم التنزيل :
ص 1111 .
( 2 ) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان : ج 8 ص 195 . وذكره البغوي في معالم التنزيل : ص 1111 .
وفي الدر المنثور : ج 7 ص 163 ؛ قال السيوطي : ( أخرجه أحمد في الزهد ، والحكيم الترمذي عن الأوزاعي ) .
( 3 ) لم أجده .
( 4 ) ذكره البغوي في معالم التنزيل : ص 1112 .