تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
فإن قيل : كيف قال زكريّا ( أنّى يكون لي غلام ) فاستبعد أن يعطيه اللّه ولدا على كبر السّنّ من امرأة عاقر بعد ما بشّرته الملائكة بذلك ؟ قيل : لم يكن هذا القول منه على جهة الاستبعاد ولكن من شأن من بشّر بما يتمنّاه أن يحمله فرط سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات ، كما يقول الإنسان إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة : كيف كان هذا ؟ ! على جهة الاستعظام لقدرة اللّه تعالى لا لشكّ في القدرة . وقيل : معناه : على أيّ حال يكون الولد أيردّني اللّه وامرأتي إلى حال الشّباب ، أم على هذه الحالة ؟ ! وقيل : معناه : أيرزقني اللّه الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابّة ؟ فقيل له
( كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ )
؛ أي كإثمار السّعفة اليابسة ؛ يفعل اللّه ما يشاء . قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ؛
أي قال زكريّا يا رب اجعل لي علامة إذا حملت امرأتي عرفت ذلك منها ، أراد بهذا القول تعجيل السّرور قبل ظهور الولد بالولادة . قال : علامة ذلك أن لا تطيق الكلام مع أحد من الناس منذ ثلاثة أيّام من غير خرس ( إلّا رمزا ) أي الّا إشارة بالعينين والحاجبين واليدين ، وقيل : الرّمز : تحريك الشّفتين باللفظ من غير إبانة صوت ، فذلك علامة حبل امرأتك . قوله تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 41 ) ؛ أي اذكر ربّك كثيرا في هذه الأيّام الثلاثة ؛
( وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ )
أي صلّ غدوّا وعشيّا كما كنت تصلّي من قبل ، يقال : فرغت من سبحتي ؛ أي من صلاتي ، وسمّيت الصلوات سبحا لما فيها من التوحيد والتّحميد والتّنزيه من كلّ سوء . وقيل : أراد بالتسبيح التسبيح المعروف فيما بين الناس ، وقرأ الأخفش ( رمزا ) بفتح الميم مصدرا مثل طلبا . قوله تعالى :
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
( 42 ) ، معطوف على
( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ )
، والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على ما تقدّم . ومعنى
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ )
أي اختارك لطاعته وعبادته ،
( وَطَهَّرَكِ )
من الكفر بالإيمان والطاعات ، كما قال :
لِيُذْهِبَ