تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا شهوة له ؛ لما في هذا من إضافة عيب العنّة إليه « 1 » . قوله عزّ وجلّ :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
( 40 ) ؛ معناه : قال زكريّا لجبريل حين سمع البشارة يا سيّدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات عقر لا تلد ، قال له جبريل مثل ذلك ( يفعل اللّه ما يشاء ) ؛ أي الذي شاءه . وقال بعضهم : أراد زكريّا بالرب اللّه عزّ وجلّ ؛ أي قال يا رب كيف يكون لي غلام . قال الكلبيّ : ( كان زكريّا يوم بشّر بالولد ابن تسعين سنة ) . وقيل : ابن تسع وتسعين سنة . وروى الضحّاك عن ابن عبّاس : ( أنّه كان ابن مائة وعشرين سنة ) . وكانت امرأته بنت ثماني وتسعين سنة ، فذلك قوله تعالى حاكيا عنه :
( وَامْرَأَتِي عاقِرٌ )
أي عقيم لا تلد . يقال : رجل عاقر وامرأة عاقر ، وقد عقر بضمّ القاف يعقر عقرا ، ويقال : تكلّم فلان حتى عقر بكسر القاف ؛ إذا بقي لا يقدر على الكلام ، وإنّما حذف ( الهاء ) من عاقر لاختصاص الآيات بهذه الصّفة كما يقال امرأة مرضع . وقوله تعالى حاكيا عن زكريّا :
( وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ )
هذا المقلوب ؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت ، فإن قيل : هل يجوز أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد ؟ قيل : لا يجوز ذلك بخلاف قوله :
( بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ )
بمعنى بلغت الكبر ، والفرق بينهما أنّ الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه بحدوثه فيه ، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إيّاه بمرور السنين والأعوام عليه ، وأمّا البلد فلا يكون طالبا للإنسان ، كما يكون الإنسان طالبا للبلد .
هامش
( 1 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 4 ص 78 ؛ قال القرطبي : « هذا أصح الأقوال لوجهين : أحدهما : أنه مدح وثناء عليه ، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب . والثاني : أن مفعولا في اللغة من صيغ الفاعلين » .