بالبعد ليشعر العبد أن اللّه قريب منه ولأن الياء تفيد التنبيه فالعبد في حاجة للتنبيه عند النداء ، واللّه تعالى ليس كذلك .
وأيضا فإن مراعاته التعبيرات التي يقصد منها مراعاة الأدب العالي قد سار فيها القرآن بالإتيان بالكناية عن التصريح في الأمور التي يستحى من ذكره والتصريح به ، كما كنّى عن الجماع باللّباس والمباشرة قال تعالى
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 1 »
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
« 1 » وكنّى عن قضاء الحاجة بقوله
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
« 2 » .
ومن ذلك أيضا قد أتى القرآن بالالتفات الذي ينبئ في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه كقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 1 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
« 3 » ثم عدل عن الغيبة إلى الخطاب فقال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وكقوله تعالى
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
« 4 » فعدل عن الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
« 5 » فجرى العتاب على حال تقتضيه الغيبة مع أن الآية نزلت عليه وهو المخاطب بها ، ثم توجّه الخطاب له فقال تعالى :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
« 6 » .
فهذا العدول من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب إنما هو لمراعاة الأدب العالي ، لما في الخطاب بعد الغيبة من تقوية للمعنى الثاني ، أو تخفيف للمعنى الأول على النفس حين إلقائها إليه . ألا ترى في الشّكر للّه والثناء عليه ، كان الأدب يقتضي الغيبة ، وحين العبادة وإظهار الضّعف كان الخطاب أليق بأدب الخطاب ؟
ولعل العتاب أخفّ على المعاتب بلفظ الغيبة والاستفهام أليق به أن يكون من مخاطب .
هامش
( 1 ) البقرة / 187 .
( 2 ) المائدة / 75 .
( 3 ) الفاتحة / 1 - 3 .
( 4 ) يونس / 22 .
( 5 ) عبس / 1 - 2 .
( 6 ) عبس / 3 .