وعن حمزة بن عمرو أنه قال : يا رسول اللّه ، إنّي أجد فيّ قوّة على الصّوم في السّفر ، فهل عليّ جناح ؟ قال : [ هي رخصة من اللّه عزّ وجلّ ، فمن أخذها فحسن ، ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه ] « 1 » .
فأمّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ليس من البرّ الصّيام في السّفر ] فإنّ أصله ما روى جابر : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ برجل في ظلّ شجرة يرشّ عليه الماء ، فقال : [ ما بال صاحبكم هذا ؟ ] قالوا : يا رسول اللّه ، هو صائم . فقال : [ ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر ، فعليكم برخصة اللّه تعالى الّتي رخّص لكم فاقبلوها ] « 2 » . وكذلك تأويل قوله عليه السّلام :
[ الصّيام في السّفر ، كالفطر في الحضر ] يدلّ عليه حديث مجاهد : ( عن ابن عمر أنّه مرّ برجل ينضح عليه الماء في وجهه وهو صائم ، فقال له : أفطر ويحك ! فإنّي أراك إن متّ على هذا دخلت النّار ) « 3 » .
والذي يؤيّد ما قلناه ما روي عن عروة وسالم : ( أنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أمير على المدينة ، فتذاكروا الصّوم في السّفر ، فقال سالم : كان ابن عمر لا يصوم في السّفر . وقال عروة : كانت عائشة تصوم في السّفر ، فقال سالم : إنّما أحدّثك عن ابن عمر ، فقال عروة : إنّما أحدّثك عن عائشة ، فارتفعت أصواتهما ، فقال عمر بن عبد العزيز : اللّهمّ عفوا إن كان يسرا فصوموا وإن كان عسرا فأفطروا ) « 4 » .
ثم اختلف في المستحب ؛ فقال قوم : الصوم أفضل ؛ وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد ؛ وروي أن أنس بن مالك أمر غلامه أو غلاما له بالصوم في السفر ، فقيل له في هذه الآية . فقال : ( نزلت ونحن نرتحل يومئذ جياعا وننزل على غير شبع ، فمن أفطر فرخصته ، ومن صام فالصّوم أفضل ) « 5 » .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح : كتاب الصيام : باب التخيير في الصوم والفطر : الحديث ( 107 / 1121 ) . والطبري في جامع البيان : الحديث ( 2368 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) أصله أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 2361 ) وما بعده .
( 4 ) رواه الطبري في جامع البيان : النص ( 2350 ) .
( 5 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى : كتاب الصيام : الأثر ( 8262 ) .