تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ،
يعني التوراة ،
كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 101 ) ؛ يعني القرآن ؛ وقيل : التوراة أيضا ؛ لأنّهم إذا نبذوا القرآن فقد نبذوا التوراة . والنّبذ : الطّرح . وقرأ ابن مسعود : ( نقضه فريق ) . وقال عطاء : ( هي العهود الّتي كانت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين اليهود كفعل قريظة والنّضير ) . والدليل قوله تعالى :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
« 1 » وكانوا قد عاهدوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يعينوا عليه أحدا ؛ فنقضوا وأعانوا مشركي قريش عليه يوم الخندق . وإنّما قال :
( فَرِيقٌ مِنْهُمْ )
لأن علماءهم هم الذين نبذوا عنادا مع العلم به ؛ وإنّما قال :
( بَلْ أَكْثَرُهُمْ )
لأنّ منهم من آمن وهو ابن سلام وكعب الأحبار وغيرهما . والنبذ وراء الظّهر مثل من يستخفّ بالشيء ولا يعمل به . تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك ؛ وتحت قدمك ؛ ودبر أذنك ؛ أي اتركه وأعرض عنه ، قال اللّه تعالى :
وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا
« 2 » . وأنشد الزجّاج « 3 » :
نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
قوله عزّ وجلّ :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ ؛
يعني اليهود . وهو عطف على
( نَبَذَ فَرِيقٌ )
كأنه قال « 4 » : انبذوا كتاب اللّه واتّبعوا ما تتلوا الشياطين من السّحر ،
عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ؛
ومعنى
( ما تَتْلُوا )
يعني ما تلت قبلهم شياطين الجن والإنس
( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ )
أي على عهد ملك سليمان ، قيل : معنى تتلو تكذب ، يقال : فلان تلا من فلان ؛ إذا صدق في الحكاية عنه ، وتلى عليه إذا كذب عليه ؛ كما يقال : تال عنه وتال عليه . وقال ابن عبّاس : ( تتلو ؛ أي تتبع وتعمل ) . وقال عطاء : ( تتحدّث وتتكلّم به ) . وقرأ الحسن : ( الشّياطون ) بالواو في موضع الرفع في كلّ القرآن . وسئل أبو حامد
هامش
( 1 ) الأنفال / 56 . ( 2 ) هود / 92 . ( 3 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 2 ص 40 : قال أبو الأسود . ( 4 ) أي قال الفريق من اليهود .