قال أبو عبيد : وكل هؤلاء إنما تأول آية الإطاقة أيضا ، قوله عز وجل :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
فمن أوجب القضاء والإطعام معا ذهب فيما نرى : إلى أن اللّه عز وجل حكم في التارك للصوم من عذر بحكمين ، فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى فلما لم يجد « 1 » ذكر الحامل والمرضع مسمى في واحدة منهما جمعهما جميعا عليهما احتياطا لهما وأخذا بالثقة « 2 » وأما الذين رأوا عليهما أن يطعما ولا يقضيا فإنهم أرادوا أنهما ليستا من السفر ولا المرضى الذين فرضهم القضاء ، ولكنهما ممن كلّف الصيام وطوّقه فليس بمطيق ، فهم من أهل الفدية ليس يلزمهم سواها لقوله : ( وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين ) وهي قراءة ابن عباس وفتياه ، فكان تأويله على لفظ قراءته ، وكذلك قرأها عكرمة وسعيد بن جبير وأظن مجاهدا كان عليها أيضا ، وأما الذين أوجبوا عليهما القضاء بلا إطعام فذهبوا إلى أن الحمل والرضاع إنما هما علتان من العلل ونوعان من أنواع المرض ، لأنه يخاف فيهما من التلف على الأنفس ما يخاف من المرض ، فجعلوهما بذلك مريضتين يلزمهما حكم المريض ، واحتجوا بأنهما قد يعودان إلى الولادة والفطام فيرجعان مطيقين كالمريض والمسافر إذا صاروا إلى الصحة والإقامة وبهذا القول كان يقول سفيان وأهل العراق : أن على الحامل والمرضع القضاء لا يجزئهما غيره ، وكذلك قول مالك أيضا حدثنيه عنه ابن بكير ، وعليه أهل الحجاز وكذلك رأي الأوزاعي « 3 » وأهل الشام فيما أعلم وهو الذي ذكرناه عن إبراهيم والحسن وعطاء والضحاك « 4 » ومع هذا كله أنّا قد
هامش
( 1 ) في المخطوط « نجد » والصواب بالياء .
( 2 ) الثقة : مصدر قولك وثق به يثق إذا ائتمنه ، والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة أي بالمحكم الموثوق من الأمر .
( انظر لسان العرب لابن منظور 10 / 371 ) .
( 3 ) الأوزاعي : عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو ، أبو عمر الأوزاعي ، الفقيه قال أبو عبيد عن ابن مهدي : ما كان بالشام أعلم بالسنة منه ، وقال ابن معين ثقة ، وقال ابن سعد ولد سنة ثمان وثمانين وكان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيّرا كثير الحديث والعلم والفقه ، مات سنة سبع وخمسين ومائة ، وقال في التقريب : ثقة جليل .
( التهذيب 6 / 238 - التقريب 1 / 493 ) .
( 4 ) هو الضحاك بن مزاحم .