إلا في مثل هذا . فلو قال قائل : قد خسر عبدك ؛ لم يجز ذلك ، ( إن كنت ) « 1 » تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه أو يوضع « 2 » ؛ لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع ، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجورا فيه . فلو قال قائل : قد ربحت دراهمك ودنانيرك ، وخسر بزّك ورقيقك ؛ كان جائزا لدلالة بعضه على بعض .
وقوله :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . .
( 17 ) فإنما ضرب المثل - واللّه أعلم - للفعل لا لأعيان الرجال ، وإنما هو مثل للنفاق ؛ فقال : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ؛ ولم يقل : الذين استوقدوا . وهو كما قال اللّه :
« تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ »
« 3 » . وقوله :
« ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ »
« 4 » فالمعنى - واللّه أعلم - : إلا كبعث نفس واحدة ؛ ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا « 5 » كما قال :
« كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ »
« 6 » أراد القيم « 7 » والأجسام ، وقال :
« كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ »
« 8 » فكان مجموعا إذ « 9 » أراد تشبيه أعيان الرجال ؛ فأجر الكلام على هذا . وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحّدا في شعر فأجر الكلام على هذا . وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحّدا في شعر فأجزه . وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو « 10 » أيضا يراد به الفعل فأجزه ؛ كقولك : ما فعلك إلا كفعل الحمير ، وما أفعالكم إلا كفعل الذّئب ؛ فابن على « 11 » هذا ، ثم تلقى الفعل فتقول : ما فعلك إلا كالحمير وكالذّئب .
وإنما قال اللّه عزّ وجلّ :
« ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ »
لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك . ولو وحّد لكان صوابا ؛ كقوله :
« إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ
.
هامش
( 1 ) في الأصول : « وإن كنت » وما أثبتناه أوفق .
( 2 ) أوضع في تجارته ( بضم الهمزة ) ، ووضع ( كعنى وكوجل ) خسر فيها . وفي ج ، ش : « تربح وتوضع » .
( 3 ) آية 19 سورة الأحزاب .
( 4 ) آية 28 سورة لقمان .
( 5 ) العبارة في ج ، ش : « ولو كان التشبيه للرجال أراه لكان مجموعا . . . إلخ » .
( 6 ) آية 4 سورة المنافقون .
( 7 ) القيم ( جمع قامة أو قيمة ) : وهي قوام الإنسان وقدّه وحسن طوله .
( 8 ) آية 7 سورة الحاقة .
( 9 ) في الأصول : « إذا » والمقام للتعليل .
( 10 ) كذا في الأصول . والأنسب : « وهو » .
( 11 ) في ج ، ش : « هذين » .