اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً . . .
، وكلمة : « من » في قوله تعالى :
مِنْهُمْ
ظاهرة في التّبعيض ، فلا بدّ من إحراز الإيمان وعمل الصّالحات .
ويمكن أن يقال : إنّ ما وصفهم اللّه تعالى به من الصّفات في صدر الآية يستلزم صدقهم ولا ينافيه ذيل الآية ، نعم ، لا تدلّ الآية على أن جميع الصّحابة كذلك ، فهم طائفة خاصّة منهم ، أي : من الذين كانوا معه في المدينة غالبا .
الرابع : قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ .
لا يبعد دلالة سياق الآية على أنّهم صادقون في إيمانهم ومحبّه . . . الرسول ونصرته ، فلا يستفاد من الآية صدقهم في كلّ شيء « 1 » ، ومثله قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ،
أي : في إيمانهم كما يشير إليه قوله تعالى قبل هذه الآية :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا . . . .
وأكثر ظهورا منها قوله تعالى :
. . . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ . . .
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ . . .
وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ . . .
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ .
وكذا قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . .
هذه الآيات الثلاث سيقت على نحو القضيّة الحقيقيّة دون الخارجيّة ، وتطبيقها على الأفراد خارجا ، محتاج إلى إحراز اتّصافهم بما في الآيات .
وأمّا الأحاديث الواردة في مدح الصحابة ، فكلّها لا يثبت وثاقتهم ؛ إذ بعد سلامة دلالتها على العدالة أو مجرّد الصدق ، يكون الاستدلال بها دوريّا ؛ لأنّ الرّاوي الأوّل في كلّ رواية منها هو رجل صحابي لا محالة ، والكلام في وثاقته ، ولا يمكن إثبات وثاقة شخص بقول نفسه ، وهذا ظاهر .
هامش
( 1 ) . ويمكن أن يقال : إنّ مورد الآية هم الّذين يبتغون فضله تعالى ورضوانه وطلب الرضا لا يتحقّق إلّا مع الاجتناب عن الكذب ، فمن وجدناه على الصفات المذكورة في الآية نحكم بصدقه ، فالآية تختلف دلالة عمّا بعدها من الآيات .