من المشكلات أنّا لا نعلم مذهب الشيخ الطوسي رحمه اللّه في العدالة ، وأنّه يخالف مذهب العلّامة ، وكذا لا نعلم مذهب بقيّة أصحاب الرجال كالكشّي والنجاشي وغيرهم ، ثمّ نقبل تعديل العلّامة في التعديل على تعديل أولئك ، وأيضا كثير من الرجال ينقل عنه أنّه كان على خلاف المذهب . ثمّ رجع وحسن إيمانه ، والقوم يجعلون روايته من الصحاح مع أنّهم غير عالمين بأنّ أداء الرواية متى وقع ، [ أ ] بعد التوبة أم قبلها ؟ وهذان الإشكالان لا أعلم أنّ أحدا قبلي تنبّه لشيء منهما - انتهى - . « 1 »
وأجيب عن الإشكالين ؛ أمّا عن الأوّل ، فبوجوه :
الأوّل : أنّ العدالة تحمل على العدالة الواقعيّة ، كما هو الشأن في أفعال المسلمين وأقوالهم ، والكاشف عنها اعتقاد المعتقد ، غاية الأمر أنّ الواقع يصير مختلفا بحسب الآراء ، ولا ضير فيه ؛ إذ كلّ مجتهد مكلّف على العمل برأيه ، وعلى هذا استقرّت طريقة المسلمين وسجيّتهم في مقام الشهادات في الدعاوي وغيرها .
والثاني : أنّ معنى العدالة شيء واحد ، ولا خلاف فيه ، وهو عبارة عن الملكة ؛ إذ هي وصف من الأوصاف القائم بالإنسان كسائر الأوصاف مثل الشجاعة والسخاوة ، فكيف يعقل تفسيرها بالأفعال ، مع أنّ الأخبار الواردة في الباب أدلّ دليل في المطلق ، سيّما صحيحة ابن أبي يعفور . وما نسب إلى بعض القدماء كابن الجنيد والسيّد والشيخ - رضوان اللّه عليهم - من قناعتهم في العدالة على مجرّد ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق فليس خلافا في المسألة ؛ لدلالة عباراتهم المحكيّة في سائر المقامات على كونها عبارة عن الملكة ، وإنّما اكتفوا به تمسّكا بأنّ الأصل في المسلم هو العدالة ، وإنّما الخلاف في الكاشف عنها ، فاكتفى بعضهم بما ذكر ، والآخر بحسن الظاهر . نعم عن بعض المتأخّرين القول بحسن الظاهر خاصّة ، وهو غر مضرّ في ما نحن بصدده من حمل كلمات المعدّلين على الملكة ؛ لخلوّ كلمات القدماء عن هذا المذهب .
والثالث : أنّ هذا الإشكال لا محلّ له في المقام ؛ إذ هو فرع وجود لفظ العدالة في كلمات المعدّلين ، ولم نجد له أثرا في كلماتهم ، وإنّما الموجود في كلماتهم لفظ
هامش
( 1 ) . نقله الفاضل التوني رحمه اللّه في الوافية ، ص 274 .