صدورها أمر حادث والأصل تأخّرها ، فيحكم بصدورها حال العدالة بالأصل ، قلنا بأنّ الرجوع أيضاً أمر حادث فالأصل تأخره .
والحاصل أنّه يمكن أن يقال بالنظر إلى كلّ رواية : إنّ الأصل بقاء هذا الرجل على الفطحيّة ، فكما أنّ مقتضى الأصل تأخّر صدور الرواية المستلزم لصدورها حال العدالة كذا الرجوع أيضاً أمر حادث ، فالأصل تأخّرها المستلزم لصدورها حال الفسق فيتعارض الأصلان .
وأمّا القول الثاني : فلأنّ قوله « الوجه ردّ روايته » انتهى ممّا لا وجه له ، بل التأمّل فيما ذكرنا شاهد بأن الوجه قبول روايته متى علم أنّها بعد الرجوع ، والردّ للباقي .
وممّا يشيّد أركان ما ذكرنا مع فوائد زائدة قول أستاذ الفحول في الفقه والأصول :
الأظهر رجوع علي بن أسباط بن سالم كما قاله النجاشي والخلاصة ، والنجاشي أضبط من الكشيّ ؛ بناءً على دعوى النجاشي بعنوان الجزم ، والكشّي « 1 » حكاه عن غيره ، مع أنّ الشهادة على الرجوع أقوى دلالةً من الشهادة على البقاء - إلى أن قال : - ولكن عدُّ حديثه من الصحاح مشكل ؛ لعدم معلوميّة صدوره عنه بعد الرجوع ، ولذا حكم بكونه من الموثّقات ؛ لكن كثير من الأجلّة كانوا فاسدي العقيدة « 2 » ثمّ رجعوا ، كعبداللَّه بن المغيرة وغيره ، ومع ذلك لا يتأمّلون في تصحيح حديثهم ، ومرّ التحقيق في الفوائد ، انتهى كلامه . « 3 »
وأمّا حكم الصورة الرابعة : فبعد التأمّل فيما قلنا في الثالثة يظهرلك أنّ مرجع حكم هذه الصورة أيضاً إلى تعارض الأصلين ، ولكن أنت خبير بأنّ ما قلنا في هاتين الصورتين من تعارض الأصلين في البين إنّما يستقرّ في محلّه إذا لم يوجد أمارة اجتهادية موجبة للظنّ بأحد الطرفين ، فإن وجدت أمارة ظنيّة فنعتمد عليها كائناً ما كان .
وأمّا الصورة الخامسة : فحكمها بعد التأمّل في باقي الصور لا يحتاج إلى الإظهار عند ذوي البصائر والاعتبار . وبالجملة قد عرفت أنّ الأمر في أمثال المقام يدور مدار المظنّة ، فكلّما يفيده الظنّ فهو المتّبع ردّاً كان أو قبولًا .
هامش
( 1 ) . الف : النجاشي .
( 2 ) . في التعليقة : كانوا على الفساد .
( 3 ) . التعليقة ، ص 226 ؛ منتهى المقال ، ص 349 و 350 .