قال المحقّق قدس سره :
العرفان حالة للعارف بالقياس إلى المعروف فهي لا محالة غير المعروف ، فمن كان غرضه من العرفان نفس العرفان فهو ليس من الموحّدين ؛ لأنّه يريد مع الحقّ شيئاً غيره ، وهذه حال المبتهج بزينة ذاته وإن كان بالحقّ ، أمّا من عرف الحقّ وغاب عن ذاته فهو غائب لا محالة عن العرفان الذي هو حاله « 1 » لذاته ، فهو قد وجد العرفان ؛ لأنّه لا يجده بل يجد المعروف فقط ، فهو الخائض لجّة الوصول أي معظمه ، وهنالك درجات هي درجات التحلية بالأمور الوجوديّة التي هي النعوت الإلهيّة ، وهي ليست بأقلّ من درجات ما قبله أعني درجات التزكية من الأمور الخلقيّة التي تعود إلى الأوصاف العدميّة ؛ وذلك لأنّ الإلهيّات محيطة غير متناهية ، والخلقيات محاط بها متناهية ، وإلى هذا أشير في قوله تعالى :
« قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ / 165 / رَبِّي »
الآية « 2 » فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى اللَّه ، وفي هذه سلوك في اللَّه ، وينتهي السلوكات بالفناء في التوحيد .
واعلم أنّ العبارة من هذه الدرجات غير ممكنة ؛ لأنّ العبارات موضوعة للمعاني التي يتصوّرها أهل اللغات ثمّ يحفظونها ثمّ يتذكّرونها ثمّ يتفاهمونها تعليماً وتعلّماً .
أمّا التي لا يصل إليها إلّاغائب عن ذاته فضلًا عن قوى بدنه فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلًا عن أن يعبّر عنها بعبارةٍ . وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالأوهام ، والمو هومات لا يدرك بالخيالات ، والمتخيّلات لا يدرك بالحواسّ ، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن يدرك بعلم اليقين ، فالواجب على من يريد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه بالعيان دون أن يطلبه بالبرهان . « 3 »
وعظ و « 4 » نصيحة :
يا إخواني الروحيين ويا أحبّائي القدسيّين ، هل تَأثّرَ قلوبكم وتهزّز نفوسكم من هذه الكلمات المشوِّقة وحديّات الموجّدة التي تلوت عليكم من المناجاة المعصوميّة والأحاديث القدسيّة والآيات الإلهيّة والمواعظ الروحيّة والحكم النورية تأثّراً تامّاً
هامش
( 1 ) . المصدر : - حاله .
( 2 ) . سورة الكهف ، الآية 109 .
( 3 ) . شرح الإشارات والتنبيهات ، ج 3 ، ص 390 - 391 .
( 4 ) . ب : - وعظ و .